أخر الأخبار

×

أخر الأخبار

22 سبتمبر 2019 08:44 م

كلمة السيد الوزير خلال جلسة النقاش المفتوح بمجلس الأمن حول "تسوية النزاعات ومكافحة الإرهاب بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا"

الأربعاء، 30 سبتمبر 2015 - 12:00 ص

أصحاب المعالى،
سيرجى لافروف وزير خارجية روسيا ورئيس مجلس الأمن
وزراء الخارجية الدول أعضاء مجلس الأمن والدول المشاركة فى اجتماعنا اليوم

إن وجودنا جميعاً اليوم فى مجلس الأمن بدعوة من روسيا الاتحادية لمناقشة الوضع المتأزم فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومكافحة التهديد الإرهابى فى المنطقة، وجودنا هذا هو دليل على أن ما تواجهه المنطقة من مخاطر بات يتطلب وحدة المجتمع الدولى والإنسانى فى التعامل معه وهو ما يفرض بالفعل انخراطاً أوسع وأكثر تأثيراً لمجلس الأمن فى التعامل مع أزمات المنطقة العربية والشرق الأوسط.

وأود التعبير عن شكرى للسيد سيرجى لافروف وزير خارجية روسيا على هذه الدعوة لاسيما أن مصر تطمح لأن تتيح لها عضويتها فى مجلس الأمن لعامى 2016 و2017 المساهمة الفعالة فى مواجهة كل ما يهدد المنطقة ولاسيما خطر الإرهاب الذى خبرته مصر وحاربته على مدى عقود ولا تزال.. فضلاً عن أننا مهتمون بالعمل على تسوية الأزمات الإقليمية دون مزيد من الانتظار إذ إن تفجر الصراعات الدامية والتراجع الخطير فى وضع الدولة وسيادتها ودورها فى أرجاء المنطقة من شأنه أن يصيب مصالح شعوبها دون استثناء عاجلاً أو آجلاً، وتقديرى أن المتحدثة الرسمية بإسم وزارة الخارجية الروسية كانت محقة تماماً عندما أكدت فى 27 أغسطس الماضى وجود حاجة لتحليل شامل وصادق لطبيعة الصراعات فى المنطقة، ولرسم ملامح الجهود المشتركة المطلوبة لبناء الأمن الإقليمى على أساس ميثاق الأمم المتحدة.

ونحن فى مصر نشارك المسؤولين الروس هذه الرؤية ولاسيما عندما تؤكد موسكو أنه يمكن تسوية الأزمات الإقليمية بشكل حقيقى وفعلى، وهو ما يدفعنى للتشديد على أن هذا الاجتماع يجب أن يطلق جهداً مؤثراً لمجلس الأمن، يدعمه التوافق بين أعضائه على حتمية إنهاء الصراعات الدموية التى تتفشى فى المنطقة وتعطل شعوبها عن اللحاق بالعصر الحديث بما يحمله ذلك من تداعيات على السلم والأمن الدوليين.

وإسهاماً من مصر فى الجهد الصادق المرتجى، فإننى أقدر أنه يتعين قراءة المشهد الإقليمى منذ عام 2011، حيث اعتقد البعض حينها أن تيارات تسيس الدين هى المرشحة لأن تسود فى المنطقة مؤيدة من الشعوب، وظن البعض هذه التيارات معتدلة وقادرة على احتواء وتحييد قوى التطرف والإرهاب التى تحترف القتل والتدمير.

لا شك أن هذا التيار المدعى ارتباطه بالدين الإسلامى قد كشف حينما أعطى فرصته فى السياسة، أنه لم يفهم حركة المجتمعات العربية وتاريخها، فسعى إلى احتكار المشهد السياسى وممارسة السلطة المطلقة مستخدماً أساليب نفت عنه قطعاً صفة الاعتدال والانتماء الوطنى، بل وأظهرت مبكراً تماهياً مريباً بينه وبين القوى الأكثر انغلاقاً وتطرفاً فى المنطقة، مما أدى إلى ابتعاد الجماهير عن ذلك التيار بل وانتفاضها مجدداً ضد هيمنته وتسلطه، وكان لعددٍ من الدول التى رعت هذا التيار دور هدام فى نشر التطرف والإرهاب، وهو ما يجعل محاربته اليوم والعودة إلى وضعٍ إقليمىٍ مستقر مهمة أكثر صعوبة خاصة إذا استمر هذا الدعم، إذ حتى إن نجحنا فى التوصل إلى حلول سياسية لأزمات المنطقة، فالإرهاب قد حصل بالفعل على موطئ قدم وقدرات تفرض علينا كمجتمع دولى التصدى بحزم لتلك الدول دون مواربة أو تهاون، وإلا أصبح العمل المشترك ضرباً من الخداع المستمر.

أصحاب المعالى،
لقد آمن البعض بأن هذا التيار سيصل إلى السلطة فى دول المنطقة بأكملها وهو ما لم يأخذ فى الاعتبار تمايز الظروف فى كل بلد عربى، فإذا كان المجتمع المصرى قد لفظ تسييس الدين وتسليم البلاد لعشيرة محدودة تستخدمه بغية إخضاع المصريين مسلمين ومسيحيين، فكيف بمجتمعات أخرى كالمجتمع السورى على سبيل المثال، وهو المتنوع كالفسيفساء؟

وقد ساهم هذا الرهان الخاطئ بكل تأكيد فى تأزيم المنطقة، إلا أنه حتى نكون صادقين تماماً كما تعهدنا فى بداية الحديث، فإن مسببات الصراع شملت عوامل أخرى، فعلينا الاعتراف بأن الكثير منها كان داخلياً، فمن المؤكد أن بعض أنظمة الحكم فى المنطقة استمرت عقوداً دون أن تراجع سياساتها وطبيعة علاقاتها مع شعوبها ومع محيطها الإقليمى، ففى وقت تزايدت فيه ظواهر الحد من الحريات، فضلاً عن تهميش قطاعات مجتمعية واسعة؛ تعاظم وعى الشعوب بحقوقها نتيجة ثورة العالم المعرفى وبزوغ شبكات التواصل الاجتماعى، وهو ما كان طبيعياً معه أن تنتفض الشعوب للتعبير عن تطلعاتها وطموحاتها والمطالبة بحقوقها.

وها نحن اليوم نتيجة كل ما تقدم أمام وضع إقليمى لا يمكن وصفه إلا بالكارثى، إذ ترى مصر ضرورة ملحة فى معالجة المسببات جميعاً على حد سواء.. ولكن كيف؟ فالأزمات والصراعات الإقليمية تشمل ما هو بين احتلال وشعب يسعى لحقه فى الاستقلال، وبين ما هو ناتج عن قمع دام عقوداً، وكلها أهملت وكأن إرجاء انفجار الأزمة يبرر تجاهلها بشكل كامل.

فالعيش فى سلام واستقرار فى الشرق الأوسط أمر ممكن، وإنما يتطلب أن يحصل الشعب الفلسطينى على حقوقه، وأن ينعم الفلسطينيون بدورهم بدولتهم المستقلة، وأن يتمتعوا بكافة حقوق مواطنى الدول الأخرى حتى لا يتسنى للتنظيمات المتطرفة استقطاب الشباب الفلسطينى الذى يعانى من الظلم المستمر، وهو يقيم على أرضه.

أما فى سوريا على سبيل المثال فتتزاحم حروب متعددة فى المشهد الميدانى، فالإرهاب يحارب النظام، ويحارب المعارضة المعتدلة، فى حين تحارب الأخيرة النظام وهو يحاربها.

ويسمح تعدد الحروب بنفاذ المزيد من الإرهابيين والمتطرفين إلى الأراضى السورية، ويؤدى إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد جهود البحث عن تسوية له.

ولعل ما سيسمح بمحاربة الإرهاب بفاعلية هو أن تختصر كل هذه الصراعات لتصبح حرباً واحدة بين جبهتين إحداهما تنضوى تحت راية الدولة، والأخرى قاصرة على قوى التطرف والإرهاب، فيصبح ممكناً أن تحظى الجبهة الأولى بالدعم المطلق من المجتمع الدولى بأكمله.

هذا، ولا يمكن تشكيل جبهة مع الدولة السورية إلا عبر "هيئة الحكم الانتقالية" التى نص عليها إعلان جنيف لعام 2012، فهى الإطار الوحيد الذى يؤمل أن تنضم بداخله كافة القوى المناهضة للتطرف فى إطار الحل السياسى المنشود، والذى طالبنا به جميعاً، وإن كنا، وبكل صراحة، قصرنا تقصيراً بالغاً فى وضعه موضع التنفيذ. السيدات والسادة، الأمر نفسه ينطبق على العراق الذى يسعى رئيس حكومته حيدر العبادى لتشكيل تلك الجبهة الموحدة فى مواجهة الإرهاب، إلا أن الأمور لن تكون سهلة فى أى من قضايا المنطقة، بسبب حالة الانقسام الطائفى فى منطقة المشرق العربى بشكل عام منذ الحرب فى العراق عام 2003، واغتيال رئيس الوزراء اللبنانى رفيق الحريرى فى 2005، ثم أحداث "7 آيار" فى بيروت عام 2008، وغيرها وصولاً إلى ما جرى فى سوريا على مدى أربع سنوات ومحاولة فرض فريق معين هيمنته على اليمن مؤخراً، وهو ما يجعل العودة إلى دولة القانون والمواطنة الضامنة لحقوق جميع المواطنين دون تفرقة، ملجأنا الوحيد إذا كنا نريد حقاً أن نستعيد شيئاً من الاستقرار فى المنطقة، ونرى فى هذا الصدد أنه لا يجب أن نترك مجالاً لمثل هذه الخلافات المصطنعة بين الطائفتين الشيعية والسنية الكريمتين، وأن نمتنع جميعاً عن تسييس الدين وتوظيف الطائفية.

وأخيراً، فإن الوضع فى ليبيا الشقيقة، ورغم اختلافه نتيجة غياب الإشكالية الطائفية عنه، يفرض علينا أيضاً العمل على إنشاء نفس الجبهة الواسعة للتصدى للإرهاب، وهو ما دأبت البعثة الأممية فى ليبيا على محاولة تحقيقه على مدى عام مضى بدعم كامل من مصر. إلا أن الأمر اليوم يتطلب حزماً دولياً لإنجاح العملية السياسية وهو الحزم الذى لا يبدو لنا متوفراً حتى الآن.

إن الطرح الذى تقدمت به روسيا الاتحادية متمثلاً فى عقد هذا الاجتماع هو أساس يمكن البناء عليه دون شك وصولاً إلى انخراط حقيقى لمجلس الأمن فى قضايا المنطقة يحقق لها الخلاص مما تعانيه، وأرجو بالتالى أن نسعى جميعاً للاستفادة من هذه الفرصة لعلها تساهم، إلى جانب التحالف الدولى لمحاربة داعش، فى إعادة الاستقرار إلى المنطقة العربية والشرق الأوسط، والحفاظ على مفهوم الدولة على حساب الانتماءات الضيقة سواء كانت طائفية أم أيديولوجية.


الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية المصرية على الفيس بوك

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى