15 نوفمبر 2019 11:13 م

لماذا يتكلم قادة الشرق الأوسط مع بوتين لا أوباما؟

الثلاثاء، 10 مايو 2016 - 10:28 ص
لماذا يتكلم قادة الشرق الأوسط مع بوتين لا أوباما؟

 مجلة بوليتيكو الأمريكية   8/5/2016

بقلم: دينيس روس  

ترجمة: أحمد صالح                      

للولايات المتحدة قدرة عسكرية في الشرق الأوسط أكبر كثيرًا مما لروسيا، فلأمريكا من القوات خمسة وثلاثون ألفا ومئات الطائرات، في حين ليس لروسيا إلا قرابة ألفين من القوات وربما خمسون طائرة، ومع ذلك يحج قادة الشرق الأوسط إلى موسكو لمقابلة "فلاديمير بوتين" في هذه الأيام، بدلًا من المسارعة إلى واشنطن. فقبل أسبوعين، سافر "بنيامين نتانياهو" رئيس وزراء إسرائيل ليقابل الرئيس الروسي، في زيارته الثانية لروسيا منذ الخريف الماضي، ويخطط العاهل السعودي  لرحلة قريبًا. ورئيس مصر وغيره من قادة الشرق الأوسط يقومون بزيارة موسكو أيضًا لمقابلة "بوتين".

لماذا يحدث هذا، ولماذا أسمع في رحلاتي إلى المنطقة أن العرب والإسرائيليين يئسوا كثيرا من الرئيس "باراك أوباما"؟ لأن التصور أهم من القوة: والروس الآن يبدون عازمين على استعمال القوة للتأثير على توازن القوى في المنطقة، أما نحن فلا.

لقد ضمن قرار "بوتين" بالتدخل عسكريًّا في سوريا للرئيس "الأسد" موقعه، وقلل بصورة دراماتيكية من العزلة المفروضة على روسيا بعد استيلائها على القرم واستمرارها في التلاعب بالقتال في أوكرانيا. إن رؤية "بوتين" للعالم تتعارض تمامًا مع رؤية "أوباما". "أوباما" يؤمن باستعمال القوة فقط في الحالات التي يتعرض فيها أمننا أو أرضنا لتهديد مباشر. وعقليته تبرر العمل الوقائي ضد الإرهابيين وبذل المزيد لمحاربة تنظيم الدولة. ولكنها تؤطر المصالح الأمريكية واستعمال القوة للدفاع عنها في حدود شديدة الضيق. وهذا يعكس قراءة الرئيس لدروس العراق وأفغانستان، ويساعد في تفسير عزوفه الشديد عن بذل المزيد في سوريا في الوقت الذي تتسبب الحرب فيه في كارثة إنسانية، وأزمة لاجئين تهدد دعائم الاتحاد الأوروبي، وساعدت في نهوض الدولة الإسلامية. كما تفسر سبب ظنه أن "بوتين" لا يمكن أن يكسب ـ بل هو يخسر ـ نتيجةً لتدخله العسكري في سوريا.

لكن في الشرق الأوسط، يبدو أن رؤى "بوتين" المتعلقة باستعمال الوسائل القسرية ـ ومن ضمنها استعمال القوة لتحقيق الأهداف السياسية ـ هي التي تبدو من طبائع الأمور، وليست من قبيل الاستثناءات، وهذا يصدق على أصدقائنا مثلما يصدق على خصومنا. فلقد تحرك السعوديون في اليمن حركة غير بسيطة لمّا خشوا أن الولايات المتحدة لن تفرض حدودًا على التوسع الإيراني في المنطقة، فشعروا أنهم في حاجة إلى أن يرسموا خطوطهم الخاصة. وفي أعقاب الصفقة النووية، بات السلوك الإيراني في المنطقة أكثر عدوانية، لا أقل عدوانية، في ظل انتشار القوات الإيرانية النظامية مع الحرس الثوري الإيراني في سوريا، واستعمال أوسع للميلشيات الشيعية، وتهريب السلاح إلى البحرين وشرق السعودية، واختبارات الصواريخ البالستية.

ولم يكن الحضور الروسي مساعداً. فقد أدى تدخل روسيا العسكري إلى قلب الوضع في سوريا، خلافًا لرؤية "أوباما"، وجعل موقف الروس أقوى من دون أن يفرض عليهم تكاليف ذات شأن. وليت الأمر اقتصر على أن تدخلهم في سوريا لم يلق عقابًا، بل إن الرئيس [الأمريكي] نفسه يتصل الآن ببوتين طالبًا مساعدته في الضغط على "الأسد"، في اعتراف عملي بصاحب القوة. وهو ما يدركه أيضًا القادة في الشرق الأوسط مثلما يدركون أنهم بحاجة إلى الحديث مع الروس إذا هم ضمنوا لهم مصالحهم. وما من شك في أن الوضع سيكون أفضل لو نظر العالم كله إلى طبيعة القوة نظرة "أوباما" إليها. سيكون أفضل لو رأى العالم أن "بوتين" يخسر. ولكن الواقع أنه لا يخسر.

هذا لا يعني أننا ضعفاء وروسيا قوية. فموضوعيًّا، روسيا تنحدر اقتصاديًّا وأسعار النفط المنخفضة تزيد مشكلاتهم المالية، وهذه معلومة قد تفسر ـ ولو جزئيًّا على أقل تقدير ـ رغبة "بوتين" في زيادة دور روسيا في المسرح العالمي واستعماله القوة في الشرق الأوسط. لكن رحلة "أوباما" الأخيرة إلى السعودية لم تغير صورة الضعف الأمريكي  وعزوفنا عن التأثير في توازن القوى في المنطقة. فدول الخليج تخشى القوة الإيرانية المتنامية أكثر مما تخشى تنظيم الدولة ، وهي على قناعة بأن الإدارة مستعدة للقبول بسعي إيران إلى السيطرة على المنطقة. فعقب لقاء الرئيس خلال اجتماع قمة مجلس التعاون الخليجي، كتب عبدالرحمن الراشد ـ وهو صحفي وثيق الصلات بالقادة السعوديين ـ أن "واشنطن لا تستطيع فتح الأبواب أمام تهديد إيران لدول المنطقة ... بينما تطلب من الدول المتضررة أن تلزم الصمت".

ومثلما أسمع في زياراتي للمنطقة، ينتظر العرب والإسرائيليون على السواء إدارة أمريكا القادمة. هم يعرفون أن الروس ليسوا قوة استقرار، ويعتمدون على الولايات المتحدة في أداء هذا الدور. والمفارقة أنه بسبب عزوف "أوباما" عن استعمال القوة الأمريكية في المنطقة، فإن كثيرًا من شركائنا التقليديين في المنطقة يدركون أنهم قد يكونون مضطرين إلى بذل المزيد بأنفسهم. وليس هذا بالضرورة شيئًا سيئًا ما لم يسقهم إلى القيام بما قد يؤدي إلى عكس المطلوب. فعل سبيل المثال، لو كان السعوديون أكثر ثقة في استعدادنا لمواجهة التهديدات المدعومة من إيران في المنطقة، فهل كانوا ليختاروا دخول حرب في اليمن، وهي حرب مكلفة ليس من المدهش أن الانتصار فيها شديد الصعوبة ويكبد ثمنًا رهيبًا؟ إن "أوباما" محق في الاعتقاد بأن الأطراف الإقليمية لا بد أن تلعب دورًا أكبر في محاربة الدولة الإسلامية. ولكنه للأسف أخطأ في الاعتقاد بأنهم سيفعلون ذلك إذا رأوا أننا عجزنا عن رؤية الخطأ الأكبر الذي رأوه وإذا تشككوا في مصداقيتنا.

والحق أنهم طالما يتساءلون عن إمكانية الاعتماد على الأمريكيين، ستبقى هناك حدود لكم انخراطهم بأنفسهم ـ سواء في محاربة تنظيم الدولة ، أو في التفكير في القيام بدور ذي مسئولية أكبر في تنازل الفلسطينيين وصولا لسلام مع إسرائيل. وللاستفادة من إدراكهم أنهم قد يكونون بحاجة إلى المزيد من المخاطرة وتولي المزيد من المسئولية في المنطقة، سيرغبون أن يعرفوا أنه يمكن الاعتماد على الكلمة الأمريكية فلا مزيد من "الخطوط الحمراء" التي يتم إعلانها دون الالتزام بها، وأننا نرى التهديدات التي يرونها، وأن القادة الأمريكيين يفهمون أن القوة تؤثر على أفق المنطقة ولن يترددوا في التأكيد عليها.

وهناك خطوات عديدة من شأنها أن تساعد على نقل هذا الانطباع:

  • تشديد سياستنا المعلنة تجاه إيران بشأن عواقب خروجها على خطة العمل الشاملة المشتركة لتتضمن لغة واضحة سافرة بشأن استعمال القوة، وليس العقوبات، في حال خرق الإيرانيين لالتزامهم بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي،

  • وضع خطة طوارئ مع دول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل ـ التي يتكلمون هم أنفسهم عنها حاليًا ـ لتوليد خيارات محددة لمواجهة استخدام إيران المتنامي للميلشيات الشيعية لتقويض أنظمة الحكم في المنطقة. (الاستعداد لاستضافة نقاشات ثلاثية مع المخططين العسكريين العرب والإسرائيليين سيكون بادرة على إدراكنا تصور التهديدات المشتركة، والواقع الاستراتيجي الجديد، والسبل الجديدة المحتملة لمناهضة كل من الأخطار الشيعية والسنية الراديكالية)

  • التأهب لتسليح القبائل السنية في العراق إذا استمر منع الإيرانيين وكبرى الميليشيات رئيس الوزراء حيدر العبادي من عمل ذلك.

  • في سوريا، إيضاح أنه إذا استمر الروس في دعم "الأسد" وعدم إرغامه على القبول بمبادئ فيينا (الهدنة، وفتح الممرات الإنسانية، والمفاوضات على انتقال سياسي) فإنهم لن يتركوا لنا خيارًا إلا العمل مع شركائنا لإنشاء ملاذات آمنة ذات مناطق محظورة الطيران).

    إن كلا من "بوتين" وزعماء الشرق الأوسط يفهمون المنطق القسري. وآن الأوان أن نقوم نحن بإعادة إعماله.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى