15 نوفمبر 2019 10:59 م

السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد رحيل "أوباما"

الثلاثاء، 10 مايو 2016 - 10:37 ص
سوف يختلف مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تبعاً للرئيس القادم الذي سيحكم البيت الأبيض. وفيما يلي بعض السيناريوهات المحتملة.

موقع: "إسجلوبال" الإسباني 4/5/2016

بقلم: ماريانو أجيري

ترجمة: محمد عويس

سوف يختلف مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تبعاً للرئيس القادم الذي سيحكم البيت الأبيض. وفيما يلي بعض السيناريوهات المحتملة.

ما هي السياسة الخارجية التي سوف تتبعها الولايات المتحدة ابتداءً من عام 2017؟ لن تجد الإجابة في التصريحات الغامضة والعامة لمرشحي الرئاسة والغارقين أساساً في السياسة الداخلية، وإنما ستجدها في المكانة التي تتبوئها الولايات المتحدة داخل النظام الدولي المتعدد الأقطاب. والسياسة الخارجية التي سوف تتبناها واشنطن، سوف ترتبط بانخفاض سقف قوتها السياسية والاقتصادية في العالم وكذلك بصعود قوى أخرى وبأشكال المواجهة مع الجهات الفاعلة العنيفة، لا سيما غير الحكومية منها.

وسوف تواصل الولايات المتحدة البحث عن نقاط تلاق مع كل من روسيا والصين وسوف تعمل علي تشجيع التحالفات الاقتصادية من أجل إحداث التوازن مع التقليل من قدراتها العسكرية. ولن تقوم بأية تدخل عسكري واسع النطاق وسوف تباشر القوة بشكل انتقائي باستخدام وسائل التكنولوجيا الفائقة بهدف عدم تعريض القوات الأمريكية لأي خطر. وسوف تتخلي عن إنشاء أو إعادة تشكيل الدول. وسوف تقوم بالتوازي مع ذلك بمحاولة الحفاظ علي زعامتها بين حلفائها ولكن بالضغط عليهم من أجل إنفاق المزيد على " الدفاع"، وسوف تواصل التعاون مع حكومات حتى ولو كانت حكومات ديكتاتورية والتي توفر لها الاستقرار (رغم أنه سيجلب عليها المزيد من المشاكل من بعض هذه الحكومات).

وأياً كان الفائز في الانتخابات، فإن فكرة أن الولايات المتحدة يجب أن "تقود" أو يجب أن تكون الأمة "الأولي" في العالم، ستكون حاضرة بقوة لأنها صارت جزءاً من المخيلة السياسية للمجتمع الأمريكي. ومع ذلك، فإن البلاد ينبغي عليها، بشكل أو بآخر، عقد اتفاقات مع الشركاء والخصوم علي حد سواء، في عالم لم تعد فيه تتمتع بالزعامة.

الأرض المحروقة والتبسيط المخل

أدلي كل من المرشحين الجمهوريين والديمقراطيين حتي الآن بتصريحات عامة بشكل أو بآخر. ففي الحزب الجمهوري، كان "تيد كروز"، الذي انسحب من السباق الرئاسي بعد الهزيمة في الانتخابات التمهيدية بولاية أنديانا، يتفاخر بأنه من الصقور الشديدة تجاه روسيا والصين. ورغم أصوله اللاتينية، فإنه لم يبد اهتماماً كبيراً بأمريكا اللاتينية (بل علي العكس). وأفريقيا لا وجود لها في أفق تصوراته وكان لديه فكرة مبسطة تبسيطاً مخلاً عن الأمور المعقدة في الشرق الأوسط. فقد اقترح، علي سبيل المثال، القضاء علي ما تسمي نفسها "الدولة الإسلامية" عن طريق القصف الشامل على كل من سوريا والعراق (قصف بساطي).

وأما "دونالد ترامب" فقد ركز جميع ترسانته على تشكيل أجندته الداخلية المحافظة، وبدأ الآن فقط يتحدث عن السياسة الخارجية بشكل غامض ومتناقض وهو يميل إلي مبدأ الانعزالية ويتجه نحو سحب البلاد من الحروب ومن الالتزامات الكبيرة. وفي المرحلة الأولي من حملته الانتخابية، اقتصر "ترامب" على التركيز علي مقترحه "أمريكا أولاً" مستخدماً لغة صادمة وتبسيطاً مخلاً ومقترحات غير عقلانية بجانب ارتكابه أخطاءً فادحة بشأن الانتشار النووي، على سبيل المثال، والتي سببت دهشة للجميع.

ولكن وخلال مداخلة له بتاريخ 26 من إبريل الماضي، غير "ترامب" اتجاهه وأسلوبه وأشار إلي أنه سيبحث عن إصلاح العلاقات مع روسيا والصين وأنه سوف يجتمع مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين من أجل مناقشة مساهمتهم في مسائل الدفاع بحثاً عن المزيد من التوازن يؤدي إلى التقليل من مسهامات واشنطن. ويقول أيضاً إنه سوف يمنع قدر الإمكان استخدام القوة وإنه لن يورط الولايات المتحدة في عمليات "بناء الدول"، ولكنه سوف يبحث فقط عن العمليات التي سوف ينتج عنها الاستقرار.

التعددية والسياسة المحافظة للديمقراطيين

لا تختلف اقتراحات "بيرني ساندرز" بخصوص السياسة الخارجية عن تلك التي تطبقها إدارة باراك أوباما، خاصةً فيما يتعلق بضرورة العمل مع الدول الأخرى فيما يخص القضايا العالمية مثل الإرهاب والتعاون الدولي والتغير المناخي والأزمات الإنسانية. ويرغب "ساندرز" في تجنب استخدام القوة بشكل منفرد ويريد عدم القيام بأي تدخل في العراق وأفغانستان، ويميل إلى استخدام القوة بشكل انتقائي واحترام القانون الدولي وتشجيع حل الدولتين بالنسبة لإسرائيل وفلسطين.

وأما "هيلاري كلينتون"، المرشحة صاحبة الحظ الأوفر في الوصول إلي البيت الأبيض، فهي من الديمقراطيين المحافظين. فهي مهتمة بأن يكون وضع الولايات المتحدة وضع الزعامة في الاتفاقات التجارية الدولية. وهي أقل تردداً من "أوباما" و"ساندرز" و"دونالد ترامب" في مسألة استخدام القوة ولكنها قد تكون حريصة مثلهم عند تنفيذ العمليات العسكرية الكبيرة رغم تأييدها للتدخل في العراق في عام 2003. وبعد تحمسها لتغيير النظام في ليبيا في عام 2011 عندما كانت وزيرة الخارجية، فإنها ربما ستكون أكثر حرصاً عند إطلاق مثل هذا النوع من التدخل عندما تكون رئيسة للبلاد.

وسوف تحاول "كلينتون" إقامة علاقات براجماتية مع روسيا والصين ودول الباسفيك، منطقة اهتمامها الكبير. وسوف تظل أوروبا الحليف المميز ولكنها تنتظر مساهمة أكبر من الدول الأوروبية في مسائل الدفاع ومكافحة "داعش" وغيرها من المنظمات الإرهابية. ورغم انتقادها لأوباما لعدم قيامه بالتدخل العسكري في سوريا أو لعدم قيامه بمهاجمة النظام في دمشق عندما استخدم السلاح الكيماوي، فإن من المشكوك فيه قيام "كلينتون"، إذا لم تتوقف الحرب، الذهاب لأبعد من زيادة أعداد المستشارين العسكريين ومنح الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية للجماعات المسلحة السورية، وهو الأمر الذي يقوم به "أوباما" بالفعل.

وسيكون تشجيع حقوق المرأة في دول مثل أفغانستان، من أولويات المرشحة الديمقراطية، الأمر الذي يجعلها مختلفة عن الباقين. وأحد الأمور المثيرة للقلق عندها هو أمن الطاقة بالولايات المتحدة. وسوف تحاول استخدام التعاون مع بقية الدول بشكل أكثر تنسيقاً ليصب في صالح التنمية الأمريكية ولكي يتم استخدامه لتكميل دور الدبلوماسية. وفيما يخص النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، فهي في غاية التشكك من إمكانية التوصل إلى اتفاق، وهي أكثر تأييداً لإسرائيل من أوباما وساندرز.

إرث "أوباما"

سوف تتأثر السياسة الخارجية الأمريكية في المستقبل كثيراً بما فعلته إدارة "أوباما". وذلك يرجع إلى أنه كان أول رئيس ديمقراطي يعترف بأن الولايات المتحدة لم تعد تسيطر ولا تتزعم النظام الدولي بشكل فردي. وهو يعد بشكل أو بآخر أول رئيس لما بعد الإمبريالية يأتي بعد الاستخدام المفرط والخاطئ للقوة من جانب إدارة "جورج دبليو بوش". ومن هنا نشأ حرصه علي دعم مشاركة بلاده في اتفاقات متعددة الأطراف حول التغيير المناخي أو السلاح النووي، رغم إصرار الكونجرس علي عدم السماح له بالذهاب لأبعد من ذلك. ومع ذلك، فإن الرئيس، في مقابلة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، عرف نفسه علي أنه "أممي مهتم بتعزيز المنظمات المتعددة الأطراف وكذلك تعزيز القواعد الدولية".

وتعاني الولايات المتحدة من أزمة داخلية خطيرة (الاستقطاب السياسي وضعف البنية التحتية وعدم المساواة الشديد والثورة علي النخب) وكذلك غياب الشرعية والمصداقية على الصعيد الخارجي، وخاصةً في الشرق الأوسط. وفي نفس الوقت، تتواجه نفوذها مع ما يسمي بالقوي الناشئة وكذلك مع تحدي روسيا لها على بعض الجبهات، بالإضافة لتنامي قوة الصين اقتصادياً وعسكرياً.

وأمام هذا الوضع، اتخذ "أوباما" موقفاً مختلفاً عن موقف التفوق التقليدي الأمريكي والذي اعتاد تشجيع الديمقراطية وتغيير الأنظمة، حتي لو كان بالقوة. وفي الواقع هذا ما أشار إليه في حديثه في "ذا أتلانتيك" فقال "هناك مواقف يجب فيها الاعتراف بأننا لا نواجه تهديدات مباشرة أو بأنه ليس لدينا الأدوات اللازمة لإحداث التأثير وفي هذه الحالة من الأفضل الإمتناع عن التدخل حتى ولو كان لذلك عواقب وخيمة".

الاعتراف والحدود والتركيز

لقد فرض الشرق الأوسط وروسيا على "أوباما" أكبر تحدياته. ففي الحالة الأولى جاء التحدي بسبب التعقيد والعنف الذي تبع ما يسمي بالربيع العربي، لا سيما في كل من الحرب في سوريا وليبيا واليمن، ولم يكن لدى واشنطن أية سياسة واضحة لمواجهة ذلك. وقد فضل الرئيس التعاطي مع ما حدث بشيء من الحذر، باستثناء الحالة الليبية، رغم أنه قال حديثاً إنه كان من الخطأ إسقاط "معمر القذافي" دون أن يكون لدينا خطة لما بعد الحرب. وهذا الحذر سبب له العديد من الانتقادات بسبب عدم استخدامه القوة ضد "بشار الأسد" في سوريا خلال السنوات الخمس الأخيرة. ولكن وبعد الفشل في العراق وأفغانستان، فضل "أوباما" التعقل والحذر أمام أي احتمال من إشراك قوات عسكرية في حرب أخرى في الشرق الأوسط. وبالتوازي مع ذلك، زاد عدد الهجمات التي تم فيه استخدام الطائرات بدون طيار، وذلك بشكل ملحوظ خلال فترة رئاسته.

وقد مثلت روسيا مشكلة كبيرة لكل من واشنطن وأوروبا بدءً من احتلال القرم وبعد دعمها انفصال جزء من أوكرانيا. وقد تعامل الرئيس بنفس الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي مع العمليات السوفيتية في برلين الشرقية وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبولندا خلال الحرب الباردة، وذلك بفرض العقوبات واستخدام الدبلوماسية وتجنب المواجهات المباشرة. فالأمن القومي بالنسبة لأوباما، كما يقول "جدعون روز"، رئيس تحرير مجلة فورين أفيرز، "هو استخدام العقوبات والطائرات بدون طيار والمفاوضات كأدوات للضغط بدلاً من عمليات القصف وإرسال الجنود علي الأرض".

وقبل مغادرة "أوباما" للبيت الأبيض فإنه حقق ثلاثة انتصارات في ثلاثة اتفاقات (مع إيران حول برنامجها النووي واتفاقية باريس حول التغيير المناخي واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي). وكذلك يعد من قبيل النجاح الانفتاح تجاه كوبا ودعم عملية السلام في كولومبيا بدون أية شروط وبدون أي تدخل، وهو مؤشر مهم نحو تحقيق علاقة مختلفة مع أمريكا اللاتينية.

لقد كانت سياسة إدارة "بوش"، في خطوطها الرئيسية، سياسة واقعية (فهي تبحث عن التوازن مع الصين وروسيا) وسياسة برجماتية قبل أن تكون أيديولوجية (علي عكس من سياسة "جورج دبليو بوش" الخاصة بالمحافظين الجدد) وسياسة انتقائية في استخدام القوة (فلا يمكن خوض كل هذه المعارك، ينبغي اختيار مكان التدخل دون تعريض القوات للخطر) وسياسة تشجيع الاتفاقات الاقتصادية والتجارية، وسياسة مراجعات لسياسة الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة (من خلال الانفتاح على إيران وكوبا والاعتراف بأخطاء دعم الديكتاتورية الأرجنتينية في عام 1976، ومن خلال دعم عملية السلام في كولومبيا ودعم الفترة الانتقالية في "ماينمار" و"بورما" وسياسة تعددية ولكن دون إغفال المصالح القومية.

وسوف يعمل الرئيس القادم على التعمق في هذه الاتجاهات. وسوف يكون هناك اختلاف في التركيز علي بعض الأمور واختلاف في الأسلوب وذلك وفقاً لمن سيفوز في الانتخابات وعليه فإن بعض تلك الأجندة السالف ذكرها يمكن إرجاؤها (علي سبيل المثال، سياسة المراجعات). ولكن الولايات المتحدة ينبغي عليها قبول العالم الذي تتزايد فيه القوي المتعددة والذي يستحيل السيطرة عليه من خلال رؤى سطحية. وعدم قبول هذا الواقع من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من الفشل والأزمات الكبرى والتي سيكون لها تأثير سلبي على العالم.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى