07 ديسمبر 2019 08:00 ص

الذكري ال45 لنصر اكتوبر

نصر أكتوبر.. بطولات خالدة ودروس مستفادة

الأربعاء، 05 أكتوبر 2016 - 12:49 م

  نصر أكتوبر.. بطولات خالدة ودروس مستفادة

د. أحمد أبوالحسن زرد

كان نصر أكتوبر – وسيظل دوما – علامة مضيئة في سجل الانتصارات المصرية ، وعنوانا للتضامن العربي ، حيث توحدت الامة العربية على نحو غير مسبوق وتجسد ذلك في المشاركات العربية الرمزية في صفوف المقاتلين على الجبهتين المصرية والسورية واستخدام سلاح النفط الى جانب تفاعل الشعوب العربية معنوياً ومادياً مع حملات دعم المجهود الحربي وتزامن ذلك كله مع وحدة الموقف العربي في ساحات النضال السياسي والدبلوماسي .

وكانت ارادة التحدي عنواناً للفترة من 1967 حتى قبل معركة التحرير الكبرى عام 1973 ، ونحن نتذكر بكل الفخر نجاح البحرية المصرية في اغراق المدمرة الاسرائيلية ايلات في 21 اكتوبر 1967 ، وبدء الخطة المصرية لتدمير خط بارليف ، خلال حرب الاستنزاف ، والتى اشرف عليها الفريق اول عبدالمنعم رياض رئيس اركان حرب القوات المسلحة ( حينذاك ) وكان يوم السبت 8 مارس 1969 موعداً لبدء تنفيذ تلك الخطة ، ويومها تكبد العدو اضخم الخسائر بين ضباطه وجنوده .

وكان اليوم التالى ( 9 مارس 1969 ) يوما مشهوداً في تاريخ العسكرية المصرية ، حيث توجه الفريق اول عبدالمنعم رياض بنفسه إلى الجبهة ليرى عن كثب نتائج المعركة ويشارك جنوده في مواجهة الموقف ، وقرر أن يزور أكثر المواقع تقدماً والتي لم تكن تبعد عن مرمى النيران الإسرائيلية سوى 250 مترا ، حيث انهالت نيران العدو فجأة على المنطقة التي كان يقف فيها ليستشهد بين ضباطه وجنوده ضارباً اروع صور البطولة والفداء والتفانى وهو يتابع عن كثب تنفيذ الخطة المصرية لتدمير خط بارليف .

لقد كان العبور العظيم ملحمة رائعة فى تاريخ مصر المعاصر ، فكلنا يعلم بأن القوات المسلحة المصرية المرابطة غرب قناة السويس كانت تواجه اكثر من مانع في مقدمتها المانع المائي والساتر الترابى وخط بارليف بتحصيناته المعقدة . ونترك لقائد سلاح المهندسين وقتذاك اللواء مهندس جمال الدين محمود علي ليصف لنا تحصينات خط بارليف إذ قال: " أقام العدو على كل 4 كليومترات نقطة قوية بتوصيلها بالساتر الترابي الذي بلغ ارتفاعه 30 متراً في بعض المناطق ، وكانت النقاط بمثابة هيئات حاكمة على المحاور الرئيسية في المناطق الصالحة للعبور وتبلغ مساحتها في المتوسط 200 × 350 متراً ومحاطة بأسلاك شائكة وحقول ألغام بعمق 200 متر في المتوسط أيضاً، وبها جميع مرابض نيران الأسلحة ودبابات في شكل دفاع دائري بمدخل واحد ، وبها ملاجئ للأفراد من طوابق متعددة وبدرجة وقاية عالية جداً لمقاومة قنابل الطائرات زنة ألف رطل وأكثر ، ومزودة بأجهزة تهوية وتنقية ضد الغازات ، وأسلحة التدمير الشامل ، وبها وحدات إنارة وتكييف هواء وغير ذلك من المرافق الصحية.

وحتى تتضح الصورة للشباب الذين لم يعاصروا هذا اليوم الخالد فى تاريخ العسكرية المصرية السادس من اكتوبر 1973 ... نقول إن القوات المسلحة المصرية وجدت نفسها أمام ترسانات من الموانع المائية والترابية والرملية والنقاط الحصينة جعلت العدو يتصور أنه في مأمن ، وولدت اعتقاداً بأن من يريد تجاوزها سيكون مصيره الهلاك... ومن ثم ، كان عبور المانع المائي على امتداد القناة باستخدام القوارب المطاطية والجسور والكباري عملاً بطولياً وخصوصاً أن العدو كان يهدد بتحويل القناة إلى كتلة من اللهب إذا ما فكر أحد في عبورها.

وسطر جنود مصر ملحمة بطولية على ضفاف القناة... وفي جعبة كل جندي شارك في الحرب ذكريات وقصص وحكايات تذكر ... كان الجميع يتنافس على شرف البطولة في ساحات النضال ، القادة والضباط والجنود... وكلنا نتذكر الشهيد أحمد حمدي أحد مهندسي كباري العبور الذي كان يتنقل من معبر إلى معبر ليطمئن على تشغيل معظم الكباري... وعلى تراب سيناء ووسط أبنائه الجنود والضباط استشهد على أرض المعركة في 14 أكتوبر 1973 ، بعد أن سطر اسمه بأحرف من نور في سجل العسكرية المصرية وكرمته القيادة المصرية بإطلاق اسمه على أشهر نفق في مصر " نفق الشهيد أحمد حمدي " الذي يربط سيناء بمدن القناة .

وفتح نصر اكتوبر ابواب السلام ... فما كان لـ " إسرائيل " أن تقبل بالجلوس على مائدة التفاوض من دون اقرار بنصر أكتوبر ، وما كان لمصر أن تستعيد كامل ترابها الوطني من دون أن تمهد لذلك بنصر عسكري عظيم صحح موازين القوى وأعاد إلى الشعب المصري ثقته بذاته ، واجبر اسرائيل على ابرام معاهدة السلام فى 26 مارس 1979 .

وخاضت مصر من موقع القوة والثقة بالنفس معركة دبلوماسية مع اسرائيل لا تقل ضراوة عن تلك التى خاضتها فى ساحات القتال عندما ماطلت فى تنفيذ المادة الثانية من معاهدة السلام التى نصت على " ان الحدود الدائمة بين مصر واسرائيل هى الحدود المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الإنتداب ... " ، ومع موعد الإنسحاب من سيناء فى 25 ابريل 1982 افتعلت اسرائيل ازمة برفضها الإنسحاب الى الحدود الدولية وعلى وجه الخصوص اثارت عددا من المشكلات حول 14 علامة من علامات الحدود بين البلدين كان اشهرها العلامة (91) الخاصة بمنطقة طابا المصرية . واصرت مصر على حسم الخلاف من خلال التحكيم الدولى وكان لها ما أرادت ، ثم خاضت معركة أخرى لوضع مشارطة التحكيم استمرت نحو ثمانية اشهر (13/1- 11/9/1986) حيث ارادت اسرائيل ان تجعل من القضية قضية تخطيط حدود وهو ما يمس السيادة المصرية ، بينما اصر المفاوض المصرى على مطلبه العادل والمحدد وهو تحديد مواقع الحدود وتُرجم هذا الموقف فى نص واضح الدلالة فى المادة الثانية من مشارطة التحكيم والذى يقول " يُطلب من المحكمة تقرير مواضع علامات الحدود المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الإنتداب وفقا لمعاهدة السلام واتفاق 25 ابريل 1982 " . وجاء الحكم التاريخى الصادر فى 29 سبتمبر 1988 ليؤكد سيطرة مصر على كامل ترابها الوطنى ، وماطلت اسرائيل فى تنفيذ الحكم لنحو ستة اشهر حتى تم رفع العلم المصرى على طابا فى 15 مارس 1989 .

وقد حفلت حرب اكتوبر بالدروس والعبر في مقدمتها أن الاحتلال لا يمكن أن يدوم ، وأن القوة لا تفرض أمراً واقعاً ، وأن الانسحاب من الأراضي التي احتلت في العام 1967 هو أساس أية تسوية عادلة وشاملة في الشرق الأوسط كما تؤكد ذلك قرارات الأمم المتحدة .

ومن الدروس الأخرى انه لا مستحيل متى ما توافرت العزيمة الصلبة والارادة القوية الى جانب التخطيط العلمى والفكر الخلاق هذا ما اثبتته تجربة عبور المانع المائي بتعقيداته وكارثيته واقتحام خط بارليف بتحصيناته المعقدة.

وفي ظل الظروف الدقيقة والحساسة التي يمر بها الوطن علينا ان نستلهم روح اكتوبر التي تجذرت في الوعي والذاكرة والضمير الوطنى .. ، علينا ان نتحلى بروح الفريق الواحد التي سادت كل مراحل الاعداد للحرب واثنائها بين الجنود والقادة والتى كانت العامل الحاسم فى تجاوز الصعاب والعراقيل بأقل قدر من الخسائر .

والآن وبعد مرور 43 عاماً على حرب أكتوبر المجيدة... نستعيد بكل الفخر بطولاتها وذكرياتها العطرة لنستمد منها العزم والإصرار ونستلهم منها كل المعاني والقيم الرفيعة ، الايثار ونكران الذات وروح الفريق والتضحية والفداء... لنواجه تحديات العصر من خلال توظيف الامكانات والموارد المتاحة بما يمكن مصر من تجاوز الصعوبات والتحديات الراهنة بذات العزيمة التى مكنتها من تحقيق نصر اكتوبر اعظم الإنتصارات فى التاريخ المصرى المعاصر .

 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى