18 يوليو 2019 04:00 م

قمة "ميونيخ" التى أصبحت مأزقاً وقع فيه العالم

الثلاثاء، 14 مارس 2017 - 11:16 ص

مجلة:"لوبوان" الفرنسية 7/3/2017

بقلم: نيكولا بافريز

ترجمة: منال هيكل

 

وتتوالى المفاجآت الاستراتيجية. ففى ديفوس، دافع (شى جينبينغ) عن التبادل الحر والعولمة فى حين مزق "دونالد  ترامب" المعاهدات التجارية وانتقد المؤسسات متعددة الجنسيات.

 

وفى ميونيخ، وأثناء مؤتمر "ديفوس للأمن"، حيث اجتمع أكثر من 500 وزير وأعضاء البرلمانات من 16 إلى 19 فبراير الماضي، دافعت فرنسا عن حلف شمال الأطلنطى، الذى أعلن "ترامب" أنه عديم الفائدة، بينما تفرد رئيس وزراء السويد بتكذيب المؤامرة التى ربما تصيب دولته من وجهة نظر الرئيس الأمريكى.

 

ففى الشكل ظل نائب الرئيس الأمريكى ( مايك بنس)، الذى كان يتعين أن يهدىء من روع الأوروبيين، ظل متحفظاً فى أقواله ولم يقبل أى جدال مشيراً إنه لن يشترك فى هذه المناورة. وكذلك بالنسبة لانعدام الرؤية لدى الإدارة الجديدة. وفى المضمون تنحصر رؤيته لحلف شمال الأطلنطى فى أن يفرض على الأوروبيين أن يصلوا بنفقات الدفاع إلى نسبة 2% من الناتج المحلى الإجمالي، باتخاذ إجراءات أولية منذ عام 2017- وهو هدف قانونى لكن لن يكون له معنى إلا إذا أصبح حلف الأطلنطى دائم العطاء ويتمتع بالمصداقية. ومن ناحية أخرى، لا تزال أولويات الإدارة الجديدة إزاء روسيا، وتركيا والشرق الوسط وأفريقيا مجهولة.

 

وهناك أربع حقائق تم استخلاصها خلال مؤتمر ميونيخ ألا وهى:

1- 1- أصبح العالم فى القرن الواحد والعشرين يمثل خطورة كبيرة على الديمقراطيين الذين يواجهون الإرهاب الإسلامى وضغط الديمقراطية الصينية  والروسية والتركية المزيفة.

ويضاف إليها زيادة هجمات الإنترنت ضد الشركات، والمؤسسات مثل تدخلات روسيا لاستغلال الرأى العام فى الحملات الانتخابية فى الولايات المتحدة وأوروبا. 

2- 2- تمت زعزعة العالم الحر، بشكل كبير، بعد انحراف الولايات المتحدة، التى تهدد كوادر وقواعد النظام العالمى وتنكر قيمه. فالولايات المتحدة لم تعُد على الإطلاق هى الحل بل هى الجزء الأكبر من المشكلة. فلم تعُد تُؤمّن الديمقراطيات.

3- 3-وقعت الديمقراطيات المزيفة فى الفخ، حيث سمحت (لسيرجى لافروف)، الذى تسانده الصين، وإيران وتركيا، بالاحتفال بميلاد عالم لا يعتمد على الغرب. فهذا العالم يتخلى صراحة عن الديمقراطية ويعلن مبادئ عوالم (جورج أورويل) التى أعلنها عام "1984" "بأن الحرب هى السلام والحرية هى العبودية والجهل هو القوة". ولم يعد العدو اللدود للديمقراطية المزيفة، التعصب الدينى بل الديمقراطيات الغربية.

أصبحت أوروبا - بالدرجة الأولى- فى مواجهة تغير طبيعة وقوة الأخطار الإستراتيجية فقد أصبحت مسرحاً للعمليات الجهادية، ومراقبة من روسيا بزعامة "بوتين" وتركيا بزعامة "رجب طيب أردوغان". غير أنها قارة عجوز، غنية ومنزوعة السلاح، لا تتمتع بأى ضمان أمنى فعّال من قبل الولايات المتحدة، كما أصبحت وحدتها مهددة بخروج بريطانيا.

ويعيد مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2017، إلى الأذهان مؤتمر عام 1938، الذى شهد تقسيم "تشيكوسلوفاكيا" وبرهن على صحة التعليق القاسى "لونستون تشرشل: "أردتم ان تختاروا بين الحرب والعار. حققتم العار وسوف تخوضون الحرب". ويمثل، عالم القرن الواحد والعشرين على الرغم من اختلافه التام عن الثلاثينات، بعد السمات المشتركة مثل: التضخم، عدم استقرار الطبقات الوسطى للدول النامية، صعود نجم الشيوعية، وتجدد الأخطار الاستراتيجية. فالمأزق السياسى والأخلاقى الذى تورط  فيه الغرب الآن مماثل لعام 1938، فهل بتنازله عن قيمه ووحدته لن يلجأ إلى الحرب؟

 

فلقد دق مؤتمر ميونيخ ناقوس الخطر وهو الإنذار الأخير لأوروبا. فبعد خروج بريطانيا الذى سوف يحرمها من أكثر من ثلث طاقتها العسكرية، وبعد انتخاب "دونالد ترامب"، الذى أضعف حلف شمال الأطلنطي، يتعين على أوروبا إذن أن تعيد تسليحها لتدافع عن سيادتها وحريتها. فبعد انقضاء 60 عاماً على معاهدة روما، يتعين على البناء الأوروبي أن يلتف حول اتحاد للأمن تكون مهامه: الكفاح ضد الإرهاب الإسلامى، حماية البنية التحتية الحيوية بالإضافة إلى عودة الرقابة على الحدود الخارجية للقارة- خاصة عن طريق تحويل نقاط الحدود إلى قوة بوليسية. فحماية القارة وحدودها سوف تتيح تحديد أولويات دول الجنوب، التى تستهدفها عمليات الإرهاب الإسلامي وكذلك دول الشرق والشمال التى تتعرض لضغوط سياسية وعسكرية من قبل روسيا. وتعتزم فرنسا أن تتولى زعامة أوروبا من  الناحية الأمنية فبعد خروج بريطانيا لا تزال فرنسا هى الدولة الأوروبية الوحيدة التى تتمتع بوضع العضو الدائم فى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والقادرة على تنفيذ الردع النووى، وعلى الدخول فى مسرح العمليات المعقدة. فعقب اتفاقيات (لانكستر هاوس)- التى تم توقيعها عام 2010، أقامت تعاونا عسكريا مع المملكة المتحدة على المستوى الكلاسيكي بإنشاء قوة مسلحة مشتركة وكذلك على المستوى النووى. وقد أصبح هو المحور الذى تدور حوله وحدة المصالح الإستراتيجية بين الاتحاد والمملكة المتحدة فى مواجهة التهديدات الجديدة التى تتعرض لها.

 

ففرنسا، هى الوحيدة، فى ظل هذا الوضع- الذى لم نشهده منذ الثلاثينات- التى عليها أن تتحمل هذه المسئولية الخاصة. حيث يتعين عليها أن تكون لديها استراتيجية شاملة تحدد الأمن الداخلى والخارجى، ومن ثم أن تقوم بتحديث أساليبها فى التدخل وأن تعيد توظيف الأموال فى مجال أمنها، وأخيراً فالإصلاح الاقتصادى هو الشرط الأول لازدهار أوروبا. ويتعين الاختيار بين الحرية والغوغائية.

 

فلن يكون هناك، فى الواقع، أى أمن بدون التنمية الاقتصادية- أى بدون إصلاحات- كما أنه لن يكون هناك قيمة اقتصادية بدون أمن- أى دون مجهودات لتمويله.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى