14 نوفمبر 2019 07:16 م

أفريقيا (2): منطقة الساحل وعملية السلام في مالي (المناطق الساخنة في 2017)

الإثنين، 08 مايو 2017 - 09:19 ص

مجلة "بوليتيكا اكستريور" الإسبانية

ابريل 2017

إعداد: مجموعة الأزمات الدولية

ترجمة: انتصار حسن

تقدم مجلة "بوليتيكا اكستريور" (السياسة الخارجية) الإصدار الإسباني من التقرير السنوي لمجموعة الأزمات الدولية، حول التهديدات الحالية للسلام والاستقرار الدوليين. والتقرير عبارة عن سلسلة من المقالات تحت عنوان "المناطق الساخنة"، وتعرض بالتحليل الصراعات المختلفة في حوض بحيرة تشاد وليبيا وبورما وناجورنو كاراباخ ومنطقة الساحل والصومال وسوريا وتركيا وفنزويلا واليمن.

على الرغم من الجهود المبذولة على الصعيد الدولي، تواصل منطقة الساحل طريقها نحو مستويات أعلى من العنف وعدم الاستقرار؛ فلا يزال الجهاديون والجماعات المسلحة الأخرى، وشبكات الفساد التقليدية- التي غالبًا ما ترتبط بالسلطات المحلية- يتوسعون ويهددون استقرار الدول الضعيفة بالفعل.

وفي جميع أنحاء المنطقة، لا تزال مستويات السخط والاستياء الشعبي نحو الحكومات عالية بشكل خطير؛ لذا، يجب على الجهات الدولية الفاعلة مراجعة الاستراتيجيات الحالية، التي تتصدى فقط للأعراض الظاهرية للمشكلات التي تعاني منها منطقة الساحل دون معالجة الأسباب الحقيقية الكامنة والناجمة في معظمها عن إهمال الحكومات المركزية التقليدي للدول التي تحكمها، هناك حاجة ملحة لاتخاذ إجراءات احترازية لتفادي انهيار عملية السلام في مالي، وما يمثل ذلك من تهديدٍ حقيقي منذ بداية هذا العام قد تكون له تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي في منطقة الساحل بأسرها.

 عملية السلام في مالي والعثرات المتزايدة

أحد المفردات المهمة لحالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل تكمن في أزمة مالي الأبدية- الآخذة في الانتشار والتمدد نحو بوركينا فاسو والنيجر ، وكذا إلى السنغال التي تتمتع بقدر ما من الاستقرار.

والآن وبعد عشرين شهرًا من توقيع اتفاق السلام في باماكو في يونيو 2015- بوساطة الجزائر- يواجه تنفيذه عثرات جمة، وثمة مخاوف حقيقية من انهياره؛ فعلى الرغم من دعم السلطات المالية العلني ​​لعملية السلام، إلا أنها لا تثق بما فيه الكفاية في الاتفاق، الذي وقعته تحت ضغوط دولية كبيرة وتوجد به عيوب خطيرة، إذ لا يتصدى هذا الاتفاق كما ينبغي لاقتصاد الحرب- الذي يغلب عليه طابع العنف- حيث يعتمد رجال الأعمال على جيوش خاصة لحماية الطرق التي تسلكها تجارتهم، ومن ناحية أخرى، فشل الاتفاق في استعادة توازن القوى بين حركات الشمال والقادة الذين يتنافسون على الموارد والنفوذ والأراضي.

الانقسام الأخير في الائتلاف الرئيسي لحركة التمرد- المعروفة باسم تنسيقية حركات أزواد- أدى إلى تكوين جماعات مسلحة جديدة، تعتمد في تأسيسها على حركات أصغر، مثل؛ حركة صحة أزواد والكونجرس من أجل العدالة في أزواد، الأمر الذي قد يفاقم أكثر فأكثر من حالة انعدام الأمن.

والأكثر مدعاة للقلق، هو عدم وجود أية نتائج إيجابية ملموسة لبعض الإجراءات الأخيرة مثل؛ التعيين المؤقت للسلطات المحلية أو إطلاق دوريات مشتركة في الشمال، مكونة من أفراد الجيش والمتمردين السابقين.

كل هذا في الوقت الذي تواصل فيه الجماعات الجهادية- بما في ذلك تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وجماعتا أنصار الدين والمرابطون- نشاطها وعملياتها؛ هذه الجماعات غيّرت من استراتيجيتها بعد طردها من المدن الكبيرة، فبدلاً من الدفاع عن مواقعها في المراكز الحضرية؛ تحولت إلى شن هجمات على مقار المحافظات والأحياء من قواعدها في الريف.

وفي هذا السياق؛ أعلن المرابطون مسؤوليتهم عن التفجير الذي أودى في 18 من يناير الماضي بحياة 61 شخصًا ينتمون إلى إحدى الوحدات المختلطة في منطقة جاو.

الوضع الراهن أدى إلى استشراء حالة الانفلات الأمني في المناطق المهملة تقليديًا من قبل الدولة ومنها؛ منطقة وسط مالي- التي لا تشملها عملية السلام في الشمال- الأمر الذي جعل الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة تعمل على ملء الفراغ الأمني الناتج عن انسحاب الجيش وإهمال السلطات المحلية والحكومة المركزية لمناطق ريفية شاسعة.

وحتى الآن لم تقدم باماكو ردًا فعالًا إزاء الاستراتيجية الجهادية القائمة على التهديدات والاغتيالات التي تستهدف مسئولين محليين، ونشطاء المجتمع المدني الذين يعارضونهم، علاوة على ذلك؛ ثمة مصادر إضافية للقلق مثل؛ ظهور جماعة جديدة، وهى الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، واحتمال قدوم فلول الدولة الإسلامية -المهزومين في ليبيا- للانضمام لمسلحي المنطقة.   

جهاد بلا حدود 

على الرغم من التدخل العسكري الدولي بما في ذلك؛ بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، يواصل الجهاديون اعتداءاتهم وإغاراتهم على بلدان أخرى في منطقة الساحل، ففي أواخر عام 2016؛ شنّ الجهاديون المتمركزون وسط وشمال مالي هجمات غرب النيجر وشمال بوركينا فاسو، مسلطين بذلك الضوء على ضعف المنطقة وقابليتها للاختراق وكذا المخاطر التي تنطوي عليها الصراعات المتداخلة في المنطقة الساحل.

في السادس من فبراير من العام الحالي؛ اجتمعت دول مجموعة G-5 (بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر) في باماكو للإعلان عن تشكيل قوة إقليمية هدفها وقف الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وسنرى في المستقبل مدى فعالية هذا المشروع الطموح.

لقد أصابت الدول المجاورة لمالي عندما حملت باماكو المسئولية عن هذا الوضع بعد فشلها في منع الجماعات المسلحة من استخدام أراضيها، ومع ذلك، ينبغي على هذه الدول أن تولي مزيدًا من الاهتمام للديناميكيات الداخلية الخاصة بها، ومنها التهميش والإهمال من جانب الدولة لجماعات وأقليات بعينها مثل؛ بدو الفولاني في منطقة جيبو في بوركينا فاسو، ومنطقة تيلابيري في النيجر.

إن النقص المزمن في الموارد يؤثر سلبًا على فرص دول الساحل في إيجاد حلول فعّالة، فعلى سبيل المثال؛ تبلغ الإيرادات العامة في النيجر 1.7 مليون دولار، وهو مبلغ يماثل ما أنفقته فرنسا في إقامة ملاعب كرة القدم الخاصة بكأس أوروبا عام 2016.

وفي عام 2016؛ تعرضت بوركينا فاسو لثمانية هجمات تم التخطيط لها في مالي، وتعد هذه الدولة جارة مالي الأضعف والأكثر عرضة للاختراق، إذ جاءت الإطاحة بالرئيس السابق بليز كومباوري في عام 2014 لتخل بالبنية التحتية للأمن القومي، وهو ما أدى إلى غرقها في فوضى كاملة، السلطات الوطنية هناك لم تكن لديها القدرة على إعادة بناء جهاز المخابرات بسرعة، كما كانت تفتقر إلى استراتيجية أمنية تساعد القوى الوطنية على التكيف بالسرعة اللازمة مع التطور السريع للتهديدات.

وعلى الرغم من الهجمات المتكررة في البلدان الشمالية من منطقة الساحل، إلا أن المواقع العسكرية ما زالت ضعيفة وغير محمية إلى حد كبير، ونظرًا لمحدودية الموارد؛ سيشق على الحكومة تلبية متطلبات التنمية الاجتماعية، الأمر الذي تسبب جزئيًا في احتجاجات أكتوبر 2014، ولن يكون في استطاعتها زيادة الإنفاق في تحديث قوات الأمن.

وفي حالة إقدام بوركينا فاسو على استخدام المبالغ المخصصة في الميزانية للرعاية الاجتماعية من أجل سد الاحتياجات في قطاع الأمن، قد تواجه مزيدًا من الاحتجاجات.

تنشيط عملية السلام في مالي

لم يتمكن اللاعبون الدوليون من التكيف مع الأوضاع المتغيرة باستمرار على أرض الواقع، وفي الوقت الراهن ليس هناك ثمة اهتمام في باماكو ولا في المنطقة بأسرها، بتصحيح مسار التحرك، ومع ذلك؛ فإن تدهور الوضع – وهو ما يعكسه تقدم الجهاديين من الغرب نحو منطقة سيجو في الوسط - يتطلب ردًا سريعا.

وإزاء هذه المشهد البانورامي؛ يجب أن يمتلك الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء القدرةَ على التنبؤ بالتطورات التي قد تطرأ على الوضع الراهن، وأن يعمل على لم شمل الأطراف المختلفة في مالي، بوساطة فريق جزائري، قبل أن تفقد العملية مصداقيتها تمامًا، ومن شأن الدخول في جولة جديدة من المحادثات أن تُتاح للأطراف فرصة للتعبير عن مخاوفهم بشأن تنفيذ اتفاق باماكو وتعطيه دفعة، وإذا تطلب الأمر، عليهم الاتفاق على ملاحق إضافية تتضمن جدولًا زمنيًا وآليات جديدة لضمان تنفيذ جميع الأطراف لالتزاماتهم، ومن أجل الحد من المخاطر الناجمة عن استمرار تفكك وتفتت الجماعات المسلحة، لابد أن تركز المحادثات أيضًا على معالجة ذلك من خلال ضم مثل هذه الجماعات في بعض الائتلافات القائمة أو في تنسيقية حركات أزواد أو غيرها.

ومن ناحية أخرى؛ يتعين على الاتحاد الأوروبي، لمنع المزيد من حالات انتشار العنف في مالي، تشجيع الحكومات المركزية والسلطات المحلية على التوسط في الصراعات المحلية، وعليه أيضًا تقديم المساعدة للسلطات المحلية- من خلال التدريب والدعم المباشر، من أجل توفير الخدمات العامة وضمان التوزيع العادل للموارد الطبيعية.

هذه العمليات لدعم بناء السلام لا ينبغي أن تأتي في إطار منع أو مكافحة التطرف العنيف، نظرًا لأن هذه المفاهيم ليست واضحة بعد بما فيه الكفاية، وتنطوي على ديناميكيات معقدة فيما يتعلق بتجنيد الجهاديين كما تهدد بوصم المجتمعات التي تتلقى المساعدات.

ومن الأهمية بمكان في هذا الصدد؛ إحداث تغييرات جذرية في استراتيجيات التنمية على الصعيد الدولي، وينبغي أن يتم اعطاء نفس القدر من الاهتمام لمساعدة الدول على توفير الخدمات لسكانها بما في ذلك؛ الخدمات المتعلقة بالعدالة والأمن، وكذلك المشاريع الاقتصادية والبنية التحتية.

وفي الوقت نفسه؛ يتعين على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء التركيز بصفة خاصة على المساعدة في إعادة توزيع الثروة على المستوى المحلي من خلال البرامج التي تدعم الخدمات العامة، عليهم كذلك تشجيع الحكومة وتقديم المشورة لها لدفع "خطة وسط مالي" المقترحة وتحويلها إلى أداة فعالة لتنسيق الجهود الحكومية.

لابد أيضًا من ضمان أن تسير مهمة الاتحاد الأوروبي في مالي Eucap Mali من خلال تعاون وثيق مع السلطات المركزية والإقليمية، بهدف تحويل منطقة موبتي وسط البلاد إلى معمل سياسي، يجري فيه وضع السياسات لتحسين الوضع الأمني ​​المحلي، وتحديدًا من خلال إصلاح جهاز الشرطة المحلية، وخلاصة التجارب التي نفذت في هذه المنطقة يمكن استغلالها وتطبيقها في الجزء الشمالي من مالي وفي مناطق أخرى من الساحل.

وقف انتشار الجهاديين عبر الحدود

على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء النظر باهتمام أكثر لبوركينا فاسو؛ هذا البلد الذي يواجه تهديدًا مباشرًا وحقيقيًا من قبل الجماعات المسلحة.

وعلى وجه الخصوص، يجب على الدول الأعضاء التي لها وجود عسكري في مالي نشر قوات عسكرية قرب الحدود مع بوركينا فاسو، وإمداد قوات الأمن هناك بطائرات هليكوبتر حتى تتمكن من تطوير عمليات المراقبة على طول الحدود المشتركة.

وعلى الرغم من أن العلاقة بين التخلف والتطرف معقدة وغير مباشرة، فإن زيادة التمويل في مجالات الصحة والتعليم والتدريب المهني، ولا سيما في المناطق التي تتزايد فيها الهجمات، يمكن أن يساعد على تحسين العلاقات بين السلطات والجماعات المحلية، وهكذايمكن الحد من السخط الشعبي الذي كثيرًا ما تستغله  الجماعات المتطرفة  لمصلحتها.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى