14 ديسمبر 2019 10:45 ص

الاحتلال الاحترافى

الأربعاء، 10 مايو 2017 - 08:45 ص

مجلة: نيوزويك الأمريكية

    5/5/2017

بقلم: ميريام برجر

ترجمة: سلوى يوسف

 من نقاط التفتيش إلى المستوطنات ، تتوسع إسرائيل فى فرض سيطرتها على أجزاء من الضفة الغربية عن طريق شركات الأمن الخاصة .

 لم تكد الشمس تشرق ، حتى وجد خيرى مسعود أنه وقع فى مأزق بالفعل . إنه صباح يوم بارد فى فبراير ، ومسعود ، عامل اليومية وأب لثمانية ، مر لتوه عبر نقطة تفتيش عسكرية تفصل بين منزله فى الضفة الغربية ، بالقرب من منزله فى طولكرم ، وإسرائيل . ويقول أنه عندما أسرع إلى ساحة إنتظار السيارات التى تسودها الفوضى حتى يذهب إلى العمل ، سقط من جيبه منديل . وفجأة ، صرخ حارس إسرائيلى فى وجهه بعبرية ذات لكنة روسية وقام بمصادرة أكثر مستنداته أهمية : تصريح العمل وبطاقة الهوية . وكانت مخالفته : إلقاء النفايات . وانتظرمسعد طوال ساعات حتى رد له الحارس أوراقه . عندها ، كان قد ضاع عليه بالفعل أجر يوم العمل .

 وطوال سنوات عديدة ، كان معظم العاملين فى نقاط التفتيش تلك ، من الإسرائيليين رجالا ونساءا ، جنودا فى الجيش الإسرائيلى . ولكن منذ عشر سنوات ، كان معبر شآر  فريم بالعبرية – وطيبة بالعربية ، الذى يمر عبره مسعود ، من المعابر الأولى التى تم خصخصتها .فقد أصبح من الشائع اليوم رؤية حرس الأمن الإسرائيلى الخاص فى الضفة الغربية .

ويعد هذا الحرس جزءا من صناعة مربحة تحقق ربحا يقدر ب200 مليون دولار من التعاقدات الحكومية فى الضفة الغربية . ويوجد حاليا أكثر من 30 معبرا بين إسرائيل والضفة الغربية وغزة ، فمع بداية الألفية الثالثة ، قام ما يقرب من نصفها بالاستعانة بشكل كلى أو جزئى بشركات أمن إسرائيلية . ولا تتولى وزارة الدفاع الإسرائيلية بشكل مباشر توظيف الحراس ، ولكنها تتعاقد مع الشركات التى تعينهم وتشرف على التدريب والمرتبات وظروف العمل .

وقد رفضت وزارة الدفاع وشرطة الحدود التعليق على هذا المقال ، ولكن المؤيدون لهذا التحول لاستخدام حراس الأمن الخاصين على نقاط العبور يقولون أن هذا من المفترض أن يسهل الأمور بالنسبة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين للتنقل عبر المعابر ، حيث يشتعل العنف عادة . ويقول باروخ شبيجل ، قائد اللواء الإسرائيلى المتقاعد وكبير مستشارى وزير الدفاع : " من السىء بالنسبة للجنود من الشباب أن يضطروا للتعامل مع حركة الأفراد والبضائع أثناء الصراع المستمر . وبالطبع ، لقد كان هذا سيئا بالنسبة لصورة إسرائيل " .

ويتفق مع هذا إلان باز ، رئيس الإدارة المدنية لجيش الدفاع الإسرائيلى ، وهو الهيئة الحاكمة فى الضفة الغربية ، قائلا أن هذا العمل يناسب تماما المدنيين مع تحديد ساعات ثابتة وقواعد إرشادية . " بالنسبة للإسرائيليين ، ليس من المقبول أن أرسل إبنى إلى الجيش وفى النهاية يقوم بالعمل فى نقاط التفتيش تلك . إنها ليست مهمة الجيش . إنه أمر لا يمكن أن يقوم به فتى عمره 18 عاما " .

 ومن بعض المنتقدين من يقول إن زحف الخصخصة على الأمن الإسرائيلى فى الضفة الغربية والقدس الشرقية هو طريقة أخرى تعمل الدولة من خلالها على ترسيخ إحتلالها لهذه الأراضى ، مما يقلل من فرص أن تقوم دولة فلسطينية – أو إيجاد نهاية سلمية للصراع " . ويقول ليئور فولينز ، الباحث الإسرائيلى فى هذه الظاهرة والمرشح لنيل درجة الدكتوراة من جامعة أمستردام : " إنه جزء من المحافظة على الوضع القائم . إنها محاولة جعل الوضع غير المحتمل هو الأفضل " .

 وكانت إسرائيل قد إحتلت الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة – وهى الأراضى التى يطالب الفلسطينيون بإقامة دولتهم عليها فى المستقبل – فى أعقاب حرب 1967 التى خاضتها ضد عدة دول عربية . وخلال العقود الخمسة الماضية ، تغير إحتلالها لهذه الأراضى بشكل ملحوظ . فبعد نحو 30 عاما تحت الحكم الإسرائيلى ، نصت إتفاقيات أوسلو عام 1994 على إنشاء السلطة الفلسطينية – التى تعمل كحكومة شبيهة بالحكم الذاتى فى بعض أجزاء الضفة الغربية وفى غزة .- وأجلت تحديد وضع القدس ليكون محل مفاوضات مستقبلية . وقد ظلت هذه المحادثات متوقفة ، ولكن السلطة الفلسطينية تعمل بشكل وثيق مع إسرائيل فيما يتعلق بالمسائل الأمنية فى الضفة الغربية ، وهو الأمر الذى يثير غضب كثير من الفلسطينيين . ( وخلال السنوات العشر الماضية ، تولت جماعة حماس المسلحة حكم قطاع غزة ، التى تخضع حاليا لحصار إسرائيل ) .وعقب الانتفاضة الثانية ( أو الثورة الفلسطينية ) فى بدايات الألفية الثالثة ، بدأ الجيش الإسرائيلى فى بناء حاجز بين إسرائيل والضفة الغربية ، وأقامت نقاط تفتيش على طول الحاجز لإحباط  الهجمات المحتملة . ( ويقول الفلسطينيون إنها جزء من محاولات الاستيلاء على أرضهم ) .

كانت بداية إسرائيل كدولة شبه إشتراكية ، ولكن منذ ثمانينيات القرن الماضى ، أعادت موجات الخصخصة ، بالذات فى فترة حكم بنيامين نيتنياهو ، تشكيل الدولة وتخلصت من بعض أركان دولة الرفاهية . ويعتبر التحرك نحو القطاع الخاص فى الضفة الغربية – الذى بدأ منذ عشر سنوات ، إمتدادا لهذا التوجه .

وينظر البعض إلى هذا التحول على أنه محاولة للإبقاء على إحتلال الضفة الغربية . فمعظم الإسرائيليين اليهود تجب عليهم الخدمة فى الجيش ، وكثير منهم عملوا فى نقاط التفتيش . أما الآن فقد تغير هذا الوضع ، وأصبح عدد الإسرائيليين الذين يخوضون هذه التجربة المباشرة أقل كثيرا ، حيث أصبح تشغيل نقاط التفتيش مجرد عمل من أعمال الأمن .

 وقد إستفاد من الخصخصة ،  الرجال والنساء الذين يقومون بالعمل فى نقاط التفتيش – كثير منهم من المهاجرين والطبقة العاملة الإسرائيلية الذين يعملون فى وظائف الأمن المدنى . فهم يتقاضون مرتبات عالية ويتمتعون بنظام تأمين عمل طويل الأجل . وعلى الرغم من ذلك فإن تكلفة التحول ليست زهيدة على وزاة الدفاع ، لأن تعيين حراس خاصين أكثر تكلفة من إستخدام المجندين . ومن ناحية أخرى ، فإن تعيين أمن خاص يخلق فرص عمل ويزيد من خبرة صناعة الأمن فى إسرائيل  ، داخليا وخارجيا ، كما تقول شيرا هافكين الباحثة بمعهد فان لير ، وهو مركز أبحاث إسرائيلى .

 ومع ذلك ، يقول المنتقدون ، إن الخصخصة تحجب المسئول إذا ما حدثت مشكلة تخص نقاط التفتيش أو المتعهد أو وزارة الدفاع . " إنها فوضى " ، كما تقول رونيت سيلاح ، مديرة وحدة الأرض المحتلة بجمعية الحقوق المدنية فى إسرائيل . فعلى سبيل المثال ، إذا إشتكى أحد الفلسطينيين بشأن أمر حدث على نقطة تفتيش قلنديا ، المعبر الرئيسى بين القدس والضفة الغربية ، تقوم شركات الأمن العديدة التى تعمل هناك بإلقاء اللوم على بعضها البعض .

 ليس مهما من المسئول عنها ، فالفلسطينيون يكرهون نقاط التفتيش . يقول مسعود : " إنها مقرفة " ، ويضيف أن الحرس الخاص يعاملون الناس " كالحيوانات " أقل مما يفعل الجنود ، ولكن بصفة عامة " لا يوجد فرق " . بالنسبة للفلسطينيين ، تعتبر نقاط التفتيش بمثابة تذكير مادى بوجود الاحتلال – وكذلك مصدر هائل للإزعاج . فكل يوم ، يعبر عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل للعمل والتجارة والتعليم والرعاية الصحية والصلاة وغيرها من الخدمات – هذا إذا أمكنهم الحصول على تصريح إسرائيلى صحيح . ولأن نسبة البطالة فى الضفة الغربية بلغت رسميا 26 % ، ليس أمام الكثيرين مثل مسعود خيار آخر سوى الاستمرار فى محاولة العبور . ومن الممكن أن يتسبب التعطيل أو وجود مشكلة فى التصريح فى ان يفقد بعض الفلسطينيين أجر يوم عمل أو الوظيفة نفسها .

 ولكن يمكن أن يفقد الإسرائيليون والفلسطينيون على السواء  الكثير عند نقاط التفتيش . ففى السنوات الأخيرة ، كان هناك عدد كبير من حوادث الطعن والدهس بالسيارات فى الضفة الغربية وإسرائيل ، حيث شن الفلسطينيون إعتداءات على جنود ومدنيين  إسرائيليين على شكل هجمات الذئاب المنفردة وعرف بما يسمى " إنتفاضة السكين " . ومنذ عام 2015 ، قتل أكثر من 200 فلسطينيا وأكثر من 40 إسرائيليا فى هذه الموجة من العنف ، والتى لا يبدو أنها ستنتهى قريبا – فليس مهما من هو المسئول عن نقاط التفتيش .

   

    

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى