20 نوفمبر 2019 12:14 م

كوبا .. بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين

الثلاثاء، 11 يوليو 2017 - 09:50 ص

صحيفة "إس جلوبال" الإسبانية

  9/7/2017

بقلم: ميجيل مورينو

ترجمة: أحمد مهدى

مراجعة: أمجد فتحي

 أصبحت الصين فى السنوات الأخيرة عاملًا بالغ الأهمية ذا دور متزايد بمرور الوقت فى أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبى، ولكن العلاقة بين كوبا والعملاق الآسيوى هى الأطول فى المنطقة حيث كانت الجزيرة أول دولة تعترف بالحكومة الشيوعية الصينية فى عام 1960.

وحكومتا كلتا الدولتين لديهما مواقف مماثلة سواء فيما يتعلق بالنموذج السياسى أو النظام الدولى. وفيما يتعلق بالسياق الأمريكى اللاتينى الذى هيمنت عليه فى السنوات الأخيرة الحكومات اليسارية والقومية، وجدت الصين حليفًا دبلوماسيًا ممتازًا فى المنطقة. وقد عززت هذه العلاقة على مدى العقد الماضى حيث قام عدد من القادة الصينيين رفيعى المستوى  بزيارة كوبا مثل "تشي جينبينغ " فى عام 2014 ورئيس الوزراء "لى كي كيانغ" فى عام 2016.

وفى المقابل، باتت الصين حليفًا اقتصاديًا حيويًا لكوبا لتصبح ثانى أكبر شريك تجارى لها وأكبر حامل للديون الكوبية. وفى عام 2015 تجاوزت العلاقات التجارية بين الصين والجزيرة 2000 مليون دولار، وعلى الرغم من أن الأرقام ليست ضخمة مثل التى عودتنا عليها الصين، فإن هذا الرقم أكبر بعشرين مرة مما كان عليه العام الماضى. وأكثر المنتجات الكوبية التى تهم الصين من المواد الخام مثل قصب السكر أو النيكل، حيث يعد استخدام المعادن أحد أهم المجالات الاستثمارية استقبالًا لرأس المال. ومن جانبه، أصبح العملاق الصينى الممول الرئيس للتكنولوجيا والمنتجات الصناعية إلى كوبا. وبالإضافة إلى ذلك هناك فى مجال صناعة السياحة مشروعات بناء مجمعات فندقية تعتمد على دعم قدره 150 مليون دولار من رأس المال الصينى وإنشاء روابط جوية مباشرة بين البلدين.

ويبدو أن العامل الذى يهم بكين على المدى البعيد هو الموقع الجغرافى لكوبا فى البحر الكاريبى. وفى ضوء التغييرات الاقتصادية التى قد تقوم بها كوبا، بدأت الصين بالإضافة إلى مستثمرين آخرين كالبرازيل فى اتخاذ مواقف تمويلية عن طريق الائتمان لتحديث ميناء "سانتياجو دى كوبا" بتكلفة 120 مليون دولار أو من خلال مشاركة الشركات الصينية فى إصلاحات ميناء مارييل وزيادة قدرته من 800000 إلى 3 مليون حاوية مما يجعله من أهم الموانئ الحديثة فى المنطقة وذا قدرة لاستيعاب سفن شحن البضائع الكبيرة التى تعبر قناة بنما. وبالتالى لفهم المصالح الصينية فى الجزيرة من الضرورى ملاحظة المقابلة الأخيرة التى أجرتها صحيفة "جرانما" الكوبية مع تشو كينجشاو، والتى يتحدث فيها بصراحة لأول مرة مسئول صينى عن امتداد طريق الحرير الجديد فى أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبى. مع الأخذ فى الاعتبار بعض المشروعات الأخرى فى المنطقة كالطرق المختلفة عبر المحيطات المفتوحة فى أمريكا الوسطى، أو حقيقة أن الصين تهدف إلى زيادة التجارة الثنائية مع دول أمريكا اللاتينية إلى 500000 مليون دولار واستثمارات بقيمة 250000 مليون دولار، ولا يبدو أن تنمية التعاون بين أمريكا اللاتينية مع مشروع طريق الحرير البحرى فكرة بعيدة المنال. ولجعل هذا ممكنًا تحتاج الصين للاعتماد على أسس متينة فى المنطقة.

ولذلك، فى ظل التزام السلطات الكوبية بتحديث البنية التحتية لموانيها، وفى ظل الدعم الصينى، ليس فقط فى المجالات الاقتصادية والتكنولوجية ولكن بجعلها من كوبا واحدة من أهم مراكزها اللوجستية فى المنطقة، تستطيع الموانئ الكوبية- والتى تعتبر حاليًا على هامش الطرق التجارية الرئيسة البحرية فى منطقة الكاريبى- المنافسة مع الموانئ الأكثر أهمية فى المنطقة كميناء كينجستون فى جامايكا. ورغم المساوئ التى تعانى منها كوبا فى البنية التحتية، فيما يختص بالموانئ، وبالإضافة إلى موقعها الاقتصادى الجغرافى فإنها تعى جيدًا أنها تعتمد على واحدة من أكثر الدول استقرارًا وهى الصين. وإذا استطاعت الحفاظ على استقرارها السياسى، نظرًا لقربها الأيديولوجى لبكين، فإن هافانا مرشحة لتكون شريكًا موثوقًا به على المدى البعيد. وفى هذا الصدد يأتى العملاق الصينى كنموذج يحتذى به للقادة الكوبيين فى عملية الانفتاح الاقتصادى دون الحاجة إلى إصلاح سياسى. وفى الواقع يعد هذا أحد المزايا التجارية التى تقدمها الصين أمام الدول الغربية، والتعاون التكنولوجى بين كلا البلدين أصبح كبيرًا فى ظل تصدير نظام الإنترنت المقتصر على الصين إلى الجزيرة بدلًا من جوجل.

وسيكون الدور الأمريكى واللعب بالأوراق المتاحة لواشنطن هو العنصر الحاسم فى مستقبل العلاقات بين كوبا والصين، فضلًا عن التطورات السياسية داخل الجزيرة. وفى ظل عملية انفتاح إدارة أوباما بدأت أمريكا فى الاستفادة من علاقاتها مع الجزيرة عن طريق وجود عدد كبير من الكوبيين على أراضيها وهو ما يصب فى مصلحتها. ويبدو أن الأكثر تطرفًا بين هؤلاء المواطنين هم من يدفعون دونالد ترامب إلى تبنى إستراتيجية ضد الانفتاح تنطوى على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق الحد من التبادل الاقتصادى مع كوبا. وبهذه الطريقة ستبقى الشركات الأمريكية فى وضع أسوأ بالمقارنة مع منافساتها تحسبًا للانفتاح على الاستثمار الأجنبي. وعلى المستوى السياسى، فإن استمرار الحصار سيحد أيضًا من تأثير القطاعات المناهضة للحكومة التى قد يكونون تمكنوا من إنشائها عن طريق العلاقات الاقتصادية مع المنفى الكوبى. ومن الواضح جدًا أن سياسة الخنق الاقتصادى مع الصين محكوم عليها بالفشل، وخاصة الأخذ فى الاعتبار الانتشار الاقتصادى المهم لبكين فى المنطقة. ويشير كل شىء إلى أن التحرك الأخير لترامب تجاه كوبا سيؤدى فقط لدفع هافانا إلى أحضان الصين، وهو حدث له عواقب جيوسياسية على المدى البعيد.  

وموقع كوبا الجغرافى يمثل للولايات المتحدة الأمريكية تهديدًا مثل ذلك الذى تمثله تايوان للصين ويدركون ذلك جيدًا فى واشنطن كما أوضحت سابقًا أزمة الصواريخ. ومع ذلك هناك اختلاف جوهرى حول تواجد البحرية الأمريكية فى بحر "الصين الجنوبى". وهو أمر لا تعتمد عليه بكين فى منطقة الكاريبى وستعتمد عليه بالكاد فى العقد المقبل. ولكن فى ظل تصاعد التوتر بين بكين وواشنطن، وهو ما يعد بعيدًا عن انتقاص أهمية كوبا، يجعل الجزيرة حاسمة بالنسبة للصين فهى أقرب ما تكون إلى قاعدة يمكن الاعتماد عليها فى منطقة البحر الكاريبى.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الجزيرة لديها أكثر من 50 عامًا من الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية وأجهزة المخابرات المتمرسة. وقد تم تبادل المعلومات بين كلا البلدين بنحو متزايد وتعمقت الاتصالات العسكرية رفيعة المستوى، ودون الذهاب بعيدًا اجتمع وزير الدفاع الكوبى "ليوبولدو سينترا فرياس" مع نظيره الصينى فى بكين. وبمجرد تقوية هذه العلاقات واستمرار المساهمة الصينية فى التحديث العسكرى لكوبا، لن تكسب الصين فقط قاعدة عسكرية فى الكاريبى بل أيضًا ورقة مساومة مع الولايات المتحدة الأمريكية يمكن استخدامها للحصول على امتيازات فى بحر الصين الجنوبى، المنطقة الأكثر أهمية للصين من الناحية الجيوسياسية. وبالتالى فإن اقتراب كوبا من العملاق الآسيوى لا يقوى فقط المواقف الاقتصادية لبكين فى المنطقة عن طريق فتح إمكانية من أى نوع للتواصل مع طريق الحرير الجديد بل يبدو أيضًا أنه يحول ديناميكيات المنافسة مع واشنطن. وبالرغم من كونه عنصرًا يمثل خطرًا يتعلق بأمن بلدان أمريكا اللاتينية فإنه قد يكون أيضًا ورقة رابحة للتفاوض حول صفقات مميزة لكل القوى. وفيما يتعلق بخيارات كوبا، فى ضوء الجولة الأخيرة لترامب، يبدو أن مواصلة النهج المتبع مع الصين هو الطريق الأكثر صلابة للجزيرة. ولا يخلو هذا السيناريو من الخطر، كما هو الحال فى مواقف أخرى مشابهة، فقد يحد من تطور الصناعة الكوبية وخلق علاقات تبعية مع الصين.

ولكن بالرغم من ذلك، يجب علينا أن لا ننسى أن الحكومة الكوبية الحالية كانت مصدر إزعاج للولايات المتحدة الأمريكية لفترة طويلة من القرن الماضى، ولكن بمقدور الصين أن تصبح جزءًا مهمًا فى الإستراتيجية الجيوسياسية فى الأمريكتين. وهنا تلعب المسافة الجغرافية دورها وعند ترتيب التهديدات فالآتى هو الأهم: من الصعب رؤية السفن الصينية على الشواطئ الكوبية بينما يوجد الأمريكيون بالفعل على الجزيرة.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى