17 سبتمبر 2019 04:28 ص

نصر أكتوبر .. الطريق إلى السلام

الأحد، 12 أكتوبر 2014 12:00 ص

انتصار الإرادة المصرية في حرب أكتوبر 1973 هو العنصر الأساسي الذي فتح الطريق إلى سلام ممكن بين العرب وإسرائيل . فقبل هذا الانتصار كان هناك طرف رابح وطرف خاسر .. ولم يكن ممكناً لمثل هذه المعادلة المختلة في توازن القوى أن تقيم سلاماً متوازناً ، لذلك .. كان خيار السلاح حتمياً أمام مصر والعرب .. لضبط هذه المعادلة وإعادة العدو المغتر بالقوة إلى أرض الواقع الذي يقول بأن السلام يستند إلى العدل والمنطق واحترام حقوق كل الأطراف .. وليس إلى القوة الغاشمة واحتلال أراضي الغير و إنكار حقوقه .. حول هذه القضية يأتي هذا المقال للخبير العسكري والمفكر الاستراتيجي لواء . طه المجدوب .. استناداً إلى كتابه : حرب أكتوبر .. الطريق إلى التسوية الشاملة .

خلال فترة تجاوزت قليلاً عقدين من الزمان من عمر الثورة المصرية وتاريخ مصر المعاصر ، وعلى وجه التحديد مابين عامي 1952- 1973 .. تعرضت مصر لثلاث تجارب عسكرية فريدة في شكل حروب صعبة تنوعت أبعادها واختلفت نتائجها وتداعياتها ، وذلك في أعوام 1956 ، 1967 ، 1973 ، لقد دفعت هذه التجارب المعقدة بمصر الثورة – وهي مازالت في السنة الرابعة من عمرها - داخل دروب الصدام المسلح ودهاليز الصراع الدولي ولكنها تمكنت بفدائية عالية وعزيمة لاتكل من اجتياز هذه التجارب الصعبة التي خاضتها في سبيل الحرية والاستقلال والأمن والسلام .. ومن أجل وحدة أمتها العربية وسلامتها .

ففي التجربة الأولى عام 1956 .. تعرضت مصر لمؤامرة كبرى شاركت فيها ثلاث دول منها دولتان من الدول الكبرى هما بريطانيا وفرنسا .. والثالثة إسرائيل التي استغلت الفرصة لتمسك بأذيالهما وتتواطأ معهما في شن حرب عدوانية شرسة ضد مصر ، بحجة أنها اجترأت ومارست حقها الشرعي في تأميم قناة السويس المصرية ، من أجل أن تعيد بناء نفسها وترفع سدها العالي في أسوان ، ليوفر لها النمو والرخاء . وقد انبرت هذه الدول الثلاث لتحقيق هدف محدد اتفقت عليه هو إسقاط النظام الجديد في مصر لوقف عجلة التقدم ، وحرمان شعبها من حقه في التطور والحياة .

ونجحت مصر في اجتياز تجربتها الأولى .. وفشل من دبروا لها من أعداء مصر في تحقيق هدفهم .. وبقيت مصر الثورة تتحدى قوى العدوان . وكان لابد للأعداء أن يفرضوا عليها تجربة أخرى أشد قسوة وأوسع نطاقاً . ليشمل العدوان بالإضافة إلى مصر دولتين عربيتين غيرها هما سوريا والأردن .. إذ كان الهدف هذه المرة أكثر طموحاً وأكثر حسماً .

فلم يكتف بضرب مصر .. ولكن بضرب الأمة العربية كلها ممثلة في الدول العربية الثلاث .. لكي يفرض عليها الكيان الصهيوني قيام " الدولة العبرية الكبرى " ففي عام 1967 هاجمت إسرائيل مصر ثم سوريا والأردن .. هجوماً مدبراً ومبيتاً واسع النطاق مدعومة بقوة كبرى هي الولايات المتحدة الأمريكية ، وتحت ستار حجة أخرى مشابهة للتجربة الأولى .

أما التجربة الثالثة .. فقد اختلفت كثيراً عن سابقتها .. إذ كان على مصر أن تسترد الأرض المحتلة ، بعد أن استوعبت التجربة المريرة ، وآمنت أن أرضها لن تعود وأن السلام لن يتحقق وهي في موقع الهزيمة و أن العمل العسكري وحده لم يعد قادراً – في ظل الظروف العالمية المعاصرة – على حسم أي صراع . بتحقيق النصر الكامل . و أن هناك من الوسائل المختلفة ما يمكنها أن تحقق النجاح الكامل .. فيما لو استخدمت هذه الوسائل بكفاءة مدعومة بإرادة صلبة ومعنويات عالية وإصرار على تحقيق الهدف ، وذلك في إطار ما نسميه بـ " الاستراتيجية الشاملة" التي تتعدد أدواتها ، ويطول زمن تنفيذها ، ولكن يبقى هدفها ثابتاً لا يتغير .

وقد نجحت التجربة المصرية نجاحاً كبيراً .. فانتصرت مصر وعلت كلمتها .. لأنها كلمة الحق .. و لأنها أعدت لاسترداده كل ما تملك من وسائل و أدوات .. لكي تزيل آثار الهزيمة وتتجاوزها .. ولتحقق أروع الإنجازات العسكرية في أكتوبر 1973 . في هذا الحرب المجيدة قضت مصر على أسطورة إسرائيل التي لا تقهر .. وقوضت نظرية الأمن التوسعية التي اعتنقتها .. وبترت ذراعها الطويلة التي ظلت تتباهى بها سنوات ما بعد الهزيمة .. ونسفت قلاعها المنيعة واخترقت حدودها الآمنة .. لكي تفتح الطريق نحو السلام الحقيقي .. الذي سعت إليه مصر .. وهي في قمة انتصاراتها حين وقف رئيسها الراحل أنور السادات تحت قبة مجلس الشعب يوم 16 أكتوبر 1973 يدعو إلى وقف إطلاق النار وعقد مؤتمر السلام لبحث التسوية السلمية الشاملة .

الآن بعد أن تغيرت الظروف العالمية ، وتبدلت طبيعة الموازين السائدة ، و أصبح حل الصراعات والسعي من أجل السلام هو الهدف المشترك للبشرية المعاصرة ، والتعبير الأصيل عن إنسانية البشر ، لم تعد تكفي النوايا الطيبة وحدها لإقامة السلام .. بل يحتاج الأمر إلى إرادة سياسية صلبة تتمسك بالهدف وتتمتع بالإصرار .. فقد أصبح جوهر الصراع – أياً كان مستواه – هو صراع الإرادات المبنى على اعتبارات موضوعية والمحكوم بإطار من العقلانية.

ورغم أن الصراع العربي الإسرائيلي قد دخل دائرة عملية السلام منذ ربع قرن أي عقب حرب يونيه 1967.. بصدور قرار مجلس الأمن يمثل محور عملية السلام حتى الآن.. والذي نص على عدم شرعية ضم أراضى الغير بالقوة المسلحة ، واعترف للأطراف بحق العيش داخل حدود آمنة مع الانسحاب من الأراضي التي احتلت خلال الحرب 1967... غير أن الحل المقبول لم يتحقق فى ظل مجتمع عالمي يستخدم وسائل لحل الصراع تفتقر إلى القوة والقدرة على فرض إرادته عل الأطراف المتصارعة.

من جانب آخر فأن الخلل الأساسي الذي كان قائماً بين طرفي الصراع.. ناجم عن وجود أحدهما في موقع الهزيمة والآخر في موقع النصر.. الأمر الذي لا يستقيم مع تحقيق العدالة ونشر السلام.

هنا برزت الرؤية المصرية الجديدة التي أخذت شكل استشراقة عميقة للمستقبل وبلورت رؤية جديدة لاستراتيجية متطورة تميزت بصفتين هامتين هما الشمول والمرونة.. سواء فى تحديد الأهداف الوسيطة أو فى اختيار أدوات الحركة وكانت حرب أكتوبر 1973 هى الأداة الأولى للحركة.. فهى أول الجهود العملية المنظمة والقائمة على الأسلوب العلمى فى إدارة الصراع.. ودفعه على الدائرة الممكنة للتسوية السلمية التى تمنع تفاقم الوضع المستقبلى وتؤدى إلى التعايش.. بل والتعاون بين دول الجوار.

لقد دخل الصراع العربى الإسرائيلي بما فرضه حرب أكتوبر المجيدة.. من مفاهيم ناجمة عن اقتدار مصرى واضح.. دائرة الحركة السياسية الإيجابية على المستوى الدولى بسرعة عالية اختلفت تماماً عن الأساليب الجامدة التى سبق أن ظلت تدفع بالقضايا العربية المصيرية فى كهوف النسيان- وساعد على الاختراق السياسى حرص الولايات المتحدة على امن إسرائيل واقتناعها بأن أحلام إسرائيل قد بددتها الحقائق العربية الجديدة.. وأن أوهامها قد عصف بها الإعصار المصرى وهو يقتحم قناة السويس.. فتحركت بنشاط كبير لفتح حوار فورى مع مصر من خلال رحلات هنرى كيسنجر وزير خارجيتها فى ذلك الوقت.. والتى بدأت أولاها بعد عشرة أيام فقط من وقف القتال رغم أن العلاقات المصرية الأمريكية كانت مقطوعة.

وأمكن خلالها التوصل إلى إقرار التحرك نحو الحل الشامل من خلال استراتيجية "الخطوة الخطوة" والى بدأت بخطوة اتفاق النقاط الست فى نوفمبر 73 ثم اتفاق فض الاشتباك الأول فى يناير 1974 ، أعقبه اتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل فى يونيه 1974 ، وأخيراً اتفاق فض الاشتباك الثانى مع مصر فى سبتمبر 1975.. وصولا إلى مبادرة السلام المصرية عام 1977 بزيارة الرئيس السادات للقدس والتى مثلت بداية مرحلة جديدة مختلفة تماماً فى مسيرة السلام بالانتقال إلى التسوية الشاملة وأدت المبادرة على توقيع إطار السلام فى كامب ديفيد ثم معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل فى واشنطن فى مارس 1979 .

ولعل من الغريب أن تكون العقبة الرئيسية التى اعترضت سبيل المفاوض المصرى، خلال إدارته لعملية السلام هى المواقف التى اتخذتها معظم الحكومات العربية تجاه الحل السياسى للصراع العربى

الإسرائيلى ...ورغم ذلك فقد إستمر الإلتزام القومى العربى هو أبرز معالم السياسة المصرية التى استمرت استراتيجيتها الشاملة هى الركيزة الأساسية لسلوكها السياسى.

لقد برز السلوك العقلانى فى النظام الدولى المعاصر القائم على استبعاد الصراع المطلق فى العلاقات الدولية منذ عام 1972 ،حينما وقع ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة ليونيد بريجنيف رئيس الاتحاد السوفيتى أول اتفاق يدور حول هذا المعنى ...من منطلق أنه بجانب المصالح وقيم مشتركة ، يمكن أن تقود العالم إلى إستبدال الصراع الدامى بالتسويات السياسية ..كانت هذه الحالة تتطلب حسن اختيار نقاط الالتقاء الاطراف الأخرى لقد تأكدت أصالة الممارسات المصرية على الصعيد القومى العربى طوال فترة العزلة التى فرضت عليها عربيا بعد توقيع ( معاهدة السلام) وتمسكت بها فى كل الظروف إلى أن بدأت الأحداث و الأيام ..تفرض هذه الأصالة لسياسة مصر القومية على الساحة العربية ..وفى مجال الصراع العربى الإسرائيلى .إذا كانت هذه السياسة هى الأكثر حكمة والأبعد نظرا وإستشرافا للمستقبل العالمى ، والأكثر ارتباطا بالواقعية السياسية وإلتزاما بالمنطق الموضوعى فى معالجتها لقضايا الحرب والسلام وبعقلانية كاملة ، دون أن تتخلى عن أى هدف من أهدافها الوطنية أو القومية أو تنازل عن أى جزء منها .

إذا كانت مصر قد سبقت وحسمت خيار السلام وتمسكت به منذ حرب أكتوبر 1973..وأرسلت قواعده وداعائمه حينما وقعت على إطار كامب ديفيد وعقدت معاهدة السلام مع إسرائيل فى عام 1979..فقدجاءت أزمة الخليج 1990بتداعياتها . لتحسم الخيار العربى فى هذا المحال . فقد قطعت حرب الخليج بحتمية خيار السلام ، وأصبح من الضرورى تصفية كل بؤر الصراع وعناصره إثارة الصدام فى المنطقة ، حتى يتحقق الأمن ويشيع الاستقرار وترس قواعد السلام فى أرجاء الوطن العربى ومنطقة الالشرق الأوسط .إنه نفس الخيار الذى إختارته وتبنته الولايات المتحدة الأمريكية ، واتخذه العالم كله مدخلا لنظامه الجديد ..وهكذا بدأ التعامل مع قضية الصراع العربى الإسرائيلى ، فور توقف القتال فى منطقة الخليج فى محاولات جادة لاقتحام مشاكل الصراع المعقدة والعمل على تصفيتها سعيا وراء الإستقرار الحقيقى والسلام الدائم .

لقد جاءت هذا التوجه العالمى ليؤكد مصداقية السياسة المصرية ،وأصالة الفلسفة القومية التى تسير عليها مصر ..والتى حفزتها للمشاركة الجادة فى إجاء ودفع عملية السلام فى الشرق الأوسط ، استكمالا للرسالة القومية التى بدأتها منذ عام 1973 ؛ فرغم ما حققته من سلام على المستوى الذاتى ، إلا أنها كانت تدرك دائما مهمة رعاية السلام قد فرضت عليها ..وأن سلامها لم يكن إلا خطوة حقيقية هامة على الطريق الصحيح ..لابد أن تتبعها خطوات أخرلاى لآستكمال السلام الشامل فى المنطقة – لذلك فهى لم تدخر جهدا من أجل إحياء عملية السلام ودعوة (مؤتمر السلام ) للانعقاد مرة أخرى ، بعد توقف دام ثمانية عشر عاما .

وانعقد مؤتمر السلام فعلا بالجهود الدولية العربية المشتركة فى أكتوبر 1991 فى العاصمة الاسبانية مدريد ..بعد جهاد مرير ضد عوامل الإعاقة ومحاولات التخريب التى فرضتها الحكومة الإسرائيلية التى كان يرأسها اسحق شامير .

لقد عادت مسيرة السلام فى الشرق الاوسط إلى الحياة مرة أخرى ..فأمكن التوصل إلى اتفاق أوسلو بين إسرائيل والفلسطنيين كخطوة أولية ..ثم جاءت معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل ..إلى أن تجمدت مسيرة السلام بسبب مواقف الحكومة الإسرائيلية الحالية .

ذلك هو جوهر المعالجة التى تدور أساسا حول فكرة السلام ..كأبرز ما أفرزته حرب أكتوبر المجيد ..وكيف عالجتها مصر من أكتوبر حتى الآن ...فى ظل حجم هائل من المتغيرات الإقليمية والدولية والضغوط المتعددة المصادر والأتجاهات ...ولكن ظلت مصر صامدة لاتتغير محافظة على عهدها ومتمسكة بالإلتزامات لأنها تؤمن بأن ذلك هو قدرها وفى نفس الوقت مصيرتها ومستقبلها

بقلم لواء .طه المجدوب
مجلة مصر
أكتوبر 1998

   
 

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى