01 ديسمبر 2022 11:23 م

كيف استفاد العالم من درس انفجار مفاعل فوكوشيما اليابانى؟

الأحد، 10 مارس 2019 - 11:23 ص
كيف استفاد العالم من درس انفجار مفاعل فوكوشيما اليابانى؟

صحيفة"لوفيجارو" الفرنسية 5/3/2019

بقلم: فريدريك دومينيكو

ترجمة: ريهام حسن

تحل خلال أيام ذكرى انفجار المفاعل النووى فوكوشيما الذى وقع فى الحادى عشر من مارس 2011 فى اليابان والذى تعرض للغرق نتيجة لزلزال ضرب البلاد بقوة 9 درجات على مقياس ريختر. وكان الحادث بمثابة صدمة حقيقية لقطاع الوقود النووى فى العالم ككل حيث أصيب بحالة انعدام ثقة، كما ظل مناهضو الأنشطة النووية يؤكدون أن لا أحد يستطيع منع وقوع الكارثة، مرددين أن فوكوشيما تندرج تحت الفئة الأكثر أمانًا بين المفاعلات بالمقارنة بمفاعل "ثرى مايل أيلاند" الذى انفجر عام (1979) وتشيرنوبل (عام 1986). ومن ثم بدأ عمل موسع فى جميع أنحاء العالم لمراجعة كل ما يتعلق بالكفاءات والإجراءات والمعدات الخاصة بهذا القطاع. والآن بعد ثمانى سنوات من وقوع الكارثة اليابانية، يشعر الجميع بالرضا لعدم وقوع أى حوادث خطيرة أخرى. مع ذلك، خلال هذه الفترة، أدارت بعض الدول ظهرها للصناعة النووية كليةً، كما اضطرت العديد من الصناعات النووية إلى إعادة هيكلة مؤسساتها نتيجة لتراجع الطلب. فهل أعادت الأعمال التى استهدفت زيادة معدلات التأمين الطمأنينة للدول والشعوب؟ الواقع أن الذرّة تستعيد أهميتها مجددًا فى مختلف أنحاء العالم نظرًا للزيادة الكبيرة فى الطلب على الكهرباء والفاعلية التى يوفرها الوقود النووى فى ظل ارتفاع درجة حرارة المناخ لأنه لا يؤدى لانبعاث ثانى أكسيد الكربون.

تعزيز حماية المنشآت

لقد أدت كارثة عام 2011 إلى صحوة فى الصناعة النووية العالمية. وبدأت جهات التأمين فى الدول النووية العمل الجاد مدفوعة بقلق الحكومات، وأُعلنت هدفها بوضوح وهو التأكد من أن جميع المنشآت القائمة –التى تزيد عن 400 مفاعل حول العالم – غير معرضة لأى حادث جسيم. فقررت أوروبا بشكل منفرد القيام بحملة لاختبارات سلامة قلوب المفاعلات وامتدت هذه الحملة فى فرنسا لتشمل القيام بسلسلة من الأبحاث أجرتها "هيئة الأمان النووى" بالاشتراك مع مسئولى المحطات النووية. وكانت الهيئة فى ذلك الوقت تحت رئاسة كلود لاكوست الذى تولى تنسيق إجراءات التأمين المشددة بين الدول.

وتؤكد جوليان كوليه، مساعد مدير "هيئة الأمان النووى"، قائلة: "لقد تفاقمت آثار الزلزال الذى ضرب اليابان بسبب ظاهرتين، أولهما عدم وجود مصدر تبريد للمنشأة، ثم عدم القدرة على استعادة التغذية الكهربائية اللازمة لتشغيل المعدات. لذا، بات من الضرورى أن يكون هناك معدات إنقاذ يُعتمَد عليها". وكان هذا هو هدف المرحلة الأولى من خطة شركة "إى دى إف" فى الفترة من 2012 إلى 2015 والتى تمثلت فى امتلاك وسائل متحركة بها مولدات كهرباء ومضخات يمكن نقلها لأى موقع، كما بدأ العمل منذ عام 2015على إضافة وسائل ثابتة أيضًا، علاوة على إنشاء مفاعلات لمواجهة الأزمات قادرة على الصمود أمام أشد الزلازل.

إلا أن ما أضيف من معدات وإجراءات بعد فوكوشيما لا يكفى فى واقع الأمر لإرساء سياسة عالمية للأمان النووى. فالأمر لم يعد يقتصر على الجانب التقنى كما اتضح من النقاشات التى أثيرت بعد عام 2011 فى جميع أنحاء العالم. ويؤكد نيكولا إمبير، مدير جمعية "جرين كروس" المهتمة بشئون البيئة، قائلًا: "بعد تشيرنوبل، كان لا يزال بإمكان هذه الصناعة الركون إلى عذر الخطأ البشرى، أما بعد ما حدث فى اليابان، انتقلنا إلى مرحلة أخرى، فبين ليلة وضحاها، أدرك العالم الجانب المرعب فى الخطر النووى، إذ اكتُشِف أنه يؤدى إلى تهجير شعوب بأكملها، ومن ثم بدأ الجميع يتساءلون ما إذا كانت صناعة الذَرّة أمرًا عقلانيًا أم لا".

أعمال مهمة لم تنته بعد

حذرت شركة "إى دى إف" "هيئة الأمان النووى" من أن الأعمال المطلوبة لن تنتهى فى عام 2020، الموعد الذى اتفق عليه فى بادئ الأمر. إلا أن هذه الشركة الفرنسية العملاقة لم تحدد أيضًا تكلفة ما سيتم من أعمال، إذ إنها تندرج ضمن عملية "ترميم" كبرى تستهدف اتخاذ الإجراءات اللازمة لتستمر المفاعلات فى العمل لمدة أربعين عامًا. ويقدر البعض التكلفة بنحو أربعة مليارات دولار سنويًا خلال الفترة من 2014 إلى 2025. أما على الصعيد الدولى، فما من شك فى أن هذا القطاع كان دائمًا فى حاجة لمبالغ مالية ضخمة.

وبخلاف العمل على تعزيز تأمين المنشآت، منحت فترة ما بعد فوكوشيما فرصة لقراءة اقتصادية لتلك الصناعة وإن كانت هذه القراءة قد اختلفت باختلاف المنطقة. وتوضح كوليت لوينر، مستشارة رئيس شركة "كابجيمنى" للاستشارات، ذلك قائلة: " من ناحية، لم تتأثر ثقة الدول ذات معدلات النمو العالية مثل الصين والهند، فى الوقود النووى، فاحتياجاتها من الطاقة ضخمة لدرجة تجعلها تسعى لزيادة المفاعلات النووية، فى حين أن هناك دولًا أكثر نضجًا تجد صعوبة فى تمويل مشروعاتها، إذ تعتبر المفاعلات الجديدة أكثر تعقيدًا وتحتاج استثمارات طائلة".

ومن هنا كان التوجه إلى تكثيف إنشاء المفاعلات الصغيرة. ففى الولايات المتحدة، اعتُمِد بالفعل نموذج لمفاعل صغير ينتج 50 ميجاوات من إنتاج شركة "نوسكيل باور". هكذا، لم يعد الأمر بعد فوكوشيما يتعلق بالاستمرار فى الصناعة النووية من عدمه بقدر ما يتعلق باختيار نوع هذه الصناعة.

إصرار شديد من جانب المناهضين للذَرَّة

كانت أنجيلا ميركل قد أعلنت عام 2011 وقف البرنامج النووى الألمانى وقررت تحت ضغوط من الرأى العام فى بلادها إغلاق المفاعلات بصورة تدريجية بحيث يتوقف العمل بها نهائيًا عام 2022، ولم تهتم كثيرًا بأن ذلك سيؤدى للاستخدام المكثف للفحم أو التحول لمصادر الطاقة المتجددة عالية التكلفة. وبعد ثمانى سنوات، لم تتراجع برلين مطلقًا عن موقفها، بل إن مناهضى الأنشطة النووية فى جميع أنحاء العالم يشيدون دائمًا "بشجاعة" أنجيلا ميركل.

أما اليابان، فتتسم خطواتها بالتردد، حيث قررت فى بادئ الأمر وقف أنشطتها النووية بالكامل بحلول عام 2039 وذلك قبل أن تغير موقفها فى صيف عام 2018، إذ نصت الخطة التى وضعها رئيس الوزراء شينزو آبى على الإبقاء على حد أدنى من استخدام الوقود النووى فى إنتاج الكهرباء لا يتجاوز 20%، فى مقابل 30% قبل انفجار فوكوشيما و5% بعده. وتقوم اليابان حاليًا بإعادة تشغيل بعض المفاعلات المتوقفة. وقد باتت الذَرّة، التى كانت فى الماضى من دواعى الفخر الوطنى، من أكثر الموضوعات إثارة للفرقة والخلافات فى الأرخبيل خاصة فى الأوساط السياسية.

والجدير بالذكر أن ألمانيا واليابان ليستا الدولتين الوحيدتين اللتين غيرتا خططهما فى مجال الطاقة فى أعقاب حادث فوكوشيما، فقد قررت سويسرا بعد أن تراجعت عن بناء مفاعلات جديدة، أن توقف العمل بجميع المواقع القائمة بحلول عام 2034. كما رفضت أعداد كبيرة من الإيطاليين من خلال الاستفتاء الذى أجرى عام 2011 استئناف البرنامج النووى الذى تحدثت الحكومة بشأنه عام 2008. بينما دعم مناهضو الأنشطة النووية فى جميع أنحاء العالم توجههم بمبررات اقتصادية مؤكدين أن تكلفة الطاقة المتجددة قد انخفضت خلال السنوات العشر الأخيرة بصورة غير مسبوقة وأصبحت بذلك منافسة لمصادر الطاقة التقليدية.

ولا يتوقع أن تبدأ حملة واسعة لإغلاق المفاعلات النووية فى فرنسا قبل نهاية عام 2020، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود بعض الاعتراضات. فقد أكد نيكولا إمبار مدير منظمة "جرين كروس، قائلًا:"منذ مد العمل بالمفاعلات يتم تجديد المواقع بصفة دائمة دون إجراء تحليلات اقتصادية حقيقية، كما أن هذه المفاعلات أصبحت مشبعة بالنفايات النووية التى لا نعلم ماذا سنفعل بها. لقد كان يفترض بنا بدلًا من إصلاح تلك المنشآت أن نبدأ على الفور فى تفكيكها".

لا يمكن الاستغناء عن الطاقة النووية

بالرغم من ذلك، جاء التقرير الأخير لـ"مجموعة الخبراء ما بين الحكومات لدراسة تطور المناخ"، "جياك"، داعمًا بشدة للمدافعين عن الذَرَّة حيث رأى الخبراء ضرورة تحقيق زيادة كبيرة فى إنتاج الكهرباء المعتمدة على الوقود النووى –التى لا ينبعث منه غاز ثانى أكسيد الكربون- من أجل الحد من ارتفاع حرارة المناخ بنسبة 1,5% من الآن وحتى نهاية القرن. وفى هذا الصدد، توضح فاليرى فودون، المفوض العام "للشركة الفرنسية للطاقة النووية" أن مجموعة "جياك" حددت أربعة مسارات تدل جميعها على أهمية الدور الذى تلعبه الطاقة النووية إلى جانب الطاقة المتجددة فى محاربة سخونة المناخ. وعليه سيتعين زيادة القدرات النووية بنسبة 500% حتى عام 2050".

ومن ناحية أخرى، تدعم الدوافع الاقتصادية هذه المبررات البيئية. وقد وضعت الصين بالفعل فى خطتها الخمسية الثالثة عشر كهدف إنتاج 120جيجاوات بحلول عام 2030، الأمر الذى يعنى إنشاء ما بين 60 و80 مفاعلًا إضافيًا من أجل تقليل حصة الفحم بين مصادر الطاقة التى يُعتمَد عليها فى إنتاج الكهرباء. وقد تم إدخال مفاعل "تايشان" الخدمة فى شهر ديسمبر الماضى وهو أول مفاعل ينتمى للجيل الثالث والذى بإمكانه تزويد 5ملايين شخص باحتياجاتهم من الكهرباء. وبالنسبة للهند، حيث لم يتم توصيل الكهرباء بعد لنحو 200مليون مواطن، فهناك مفاوضات جارية بينها وبين فرنسا وشركة "إى دى إف" لشراء ست مفاعلات. وهكذا، تضع هذه العقود الضخمة هذا القطاع الذى تأثر بشدة بحادث فوكوشيما مجددًا فى بؤرة الضوء.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى