03 يوليو 2022 11:27 م

رياح الاشتراكية تهب من الولايات المتحدة

الإثنين، 11 مارس 2019 - 10:39 ص
رياح الاشتراكية تهب من الولايات المتحدة

صحيفة" لوفيجارو" الفرنسية 9/3/2019

بقلم: رينو جيرار

ترجمة: نادية مختار

 

دشن بيرنى ساندرز البالغ من العمر 77 عامًا، والذى ولد فى بروكلين إحدى ضواحى نيويورك حملته الانتخابية فى 2 مارس عام 2019. ورغم أنه كان نائبًا مستقلًا فى الكونجرس منذ أربعين عامًا فإن سيناتور فيرمونت دخل إلى حلبة السباق للترشح عن الحزب الديمقراطى لأنه يعلم أن النظام الأمريكى فى الاقتراع غير المباشر لا يمنح المرشح المستقل أى فرصة للفوز. من المعلوم أن ساندرز الذى كان قد أوشك على التغلب على هيلارى كلينتون فى الانتخابات التمهيدية عام 2016، اشتراكى ولا يخشى الإفصاح عن ذلك.

 ماذا يعنى اشتراكى؟ فى الواقع لا ينتمى بيرنى ساندرز للتيار الماركسى اللينينى لكنه ينادى بتأميم وسائل الإنتاج والتجارة.


 
فهو بعيد كل البعد عن أى تفكير فى ديكتاتورية الطبقة العاملة، كما أنه لا يهاجم الحريات فى حد ذاتها ، لكنه يطالب بثورة سياسية قادرة على إقامة "اقتصاد يتماشى مع الجميع وليس مع الأكثر ثراءً فقط". بالإضافة إلى أنه يطالب بمجانية التعليم الجامعى وبنظام شامل للتأمين ضد الأمراض وبمضاعفة الأجر الأدنى من 7.5 دولار فى الساعة إلى 15 دولارًا فى الساعة و"بالتأمين من البطالة" بهدف توفير عمل لجميع المواطنين. بالإضافة إلى أنه يعتبر أن فرض الضرائب على أرباح المضاربة فى بورصة وول ستريت وزيادة الضرائب على الأكثر ثراءً من الضروريات البديهية.


 
حتى إذا تعرضت بعض هذه المبادرات لانتقادات بسبب عدم واقعيتها، فإن خطاب بيرنى ساندرز يمس قطاعًا عريضًا من الناخبين الأمريكيين، حيث إنه أول من تمرد على النتاج البشع للرأسمالية العالمية المتمثل فى تعزيز اللامساواة بين الناس.

 يدرك الشعب الأمريكى بشكل جلى أن انعدام المساواة زاد فيما بينهم حيث إن ثلث الدخل القومى يذهب منذ أربعين عامًا إلى 10% من الأشخاص الأكثر ثراءً.

 
وارتفع هذا الثلث ووصل اليوم إلى النصف. من جهة أخرى انتشلت العولمة مئات الملايين من الصينيين والهنود من الفقر . لكنها أيضًا أوجدت مليارديرات أمريكيين (لاسيما فى قطاع المال والتكنولوجيا الرقمية). كما خفضت من مستوى العاملين من الطبقة المتوسطة الأمريكية المفتونين اليوم برؤية ساندرز الاشتراكية. وبين الفترة التى اتبع فيها روزفلت سياسة الصفقة الجديدة وفترة حكم ريجان التى اتسمت بالليبرالية، شهدت الولايات المتحدة الخاضعة لضرائب تتزايد باستمرار نصف قرن من التضييق على الدخل.

 
ونظرًا لقوة الإعلام الأمريكى ، انتشرت رسالة المرشح الساخط ساندرز فى العالم بأسره حيث اصبح الإحساس بعدم المساواة يستفحل عامًا بعد عام. ووفقًا لمنظمة أوكسفام، استأثر 1% من سكان العالم بٍـ 82% من الثروات عام 2017. وفى منتدى دافوس، كشفت هذه المنظمة البريطانية غير الحكومية أن ثروات 26 شخصًا الأكثر ثراءً على مستوى العالم يعادل ما يمتلكه 50% من الأشخاص الأكثر فقرًا، أى 3.8 مليار شخص. انتشرت هذه الأرقام كانتشار النار فى الهشيم فى عواصم العالم أجمع فتسبب تأثيرها السلبى فى هزة شديدة لأنصار العولمة غير المنضبطة فى الصناعة والتجارة والقطاع المالى.


 
الأمر المدهش أن رياح الاشتراكية فى الولايات المتحدة بدأت تتجه أيضًا نحو القوة الصناعية الأولى فى العالم والشريك التجارى الأول للولايات المتحدة؛ الصين حيث يهاجم بعض الطلبة فى أفضل جامعات الدولة، استغلال العمال عن طريق رأسمالية غير منضبطة، فى حين أنها واقعة تحت السيطرة السياسية لحزب يدعى أنه شيوعى. وفى يوم 24 من شهر أغسطس عام 2018، أوقفت حملة من قوات الشرطة حوالى أربعين ناشطًا ( من بينهم 21 طالبًا) كانوا محتشدين من أجل تأسيس نقابة للعمال وذلك فى شركة جاسيك للتكنولوجيا وهى شركة صناعية فى شنجن متخصصة فى المعدات.


جدير بالذكر أن هؤلاء الشباب الذين ينتمون لليسار الصينى يسببون مشكلة للشرطة فهم يعارضون انعدام المساواة وظروف العمل المتدهورة المفروضة على العمال القادمين من الريف، غير أنهم لا يتعرضون أبدًا للحزب ولا للحكومة المركزية. وعندما أوقفوهم، أخرجوا لهم أوراقًا نقدية لإظهار أنها ما زالت تحمل صورة ماو... أما فى أوروبا، فلا تؤمن الغالبية العظمى من المواطنين مطلقًا بالاشتراكية، لا فى نسختها الشيوعية (الخانقة للحريات وغير الفعالة اقتصاديًا) ولا فى نسختها الاشتراكية -الديمقراطية. تجدر الإشارة إلى أن الكثير من التبعية والغش والكسل والبيروقراطية شوهوا صورة دولة الرفاهية. ورغم ذلك لم تتلاشَ الاشتراكية بل بُعثت من جديد فى أمريكا، القارة التى خرجت منها منذ قرن جميع الأفكار الجديدة إلى أوروبا.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى