03 يوليو 2022 10:05 م

الخيارات المتاحة لإسرائيل: التضامن أو التطرف

الإثنين، 11 مارس 2019 - 10:49 ص
الخيارات المتاحة لإسرائيل: التضامن أو التطرف

صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية 9-10/3/2019

مقال افتتاحى

بقلم: أيمن عودة

ترجمة: أحمد عبد النبى

 

كنت جالسًا فى منزل عائلتى فى حيفا فى عام 1984، عندما شاهدت رجلًا كان قد فاز لتوه بمقعد فى الكنيست يظهر على شاشة التلفاز. وباللغة العبرية التى تحمل عبارات أمريكية، أشار إلى حجر الزاوية الذى ترتكز عليه حملته الانتخابية: يجب طرد جميع العرب من الأرض - بالقوة، إذا لزم الأمر. فى إعلان الحملة التلفزيونية، أعلن حزبه "باسم الرب وإسرائيل، يجب أن يرحل العرب". كنت فى التاسعة من عمرى، فلسطينى عربى ومواطن إسرائيلى. هذا الرجل، مائير كهانا، أرادنى أن أرحل.

بعد خمسة وثلاثين عامًا، لم أغادر موطنى. كما حظرت محكمة إسرائيل العليا حزب السيد كاهانا فى عام 1988 وأعلنته منظمة إرهابية فى عام 1994. علاوة على أننى أتولى قيادة حزب الجبهة الديمقراطية الوطنية، وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، كنت على رأس القائمة المشتركة التى تمثل المواطنين الفلسطينيين فى إسرائيل فى الكنيست. لا يزال أتباع السيد كهانا موجودين هنا أيضًا، لكن لم ينجح أى طرف تعهد صراحة بالولاء لرؤيته فى تقديم عرض ناجح للكنيست منذ ذلك الحين.

يبدو أن الأمور ستتغير هذا العام. ففى 20 من فبراير، جلست مع ابنى "طيب" البالغ من العمر 10 سنوات فى منزلنا فى حيفا نشاهد التقارير التلفزيونية عن إنشاء حزب كهانى جديد يعرف باسم" القوة اليهودية"، والذى يدعو إلى التطهير العرقى فى أرجاء البلاد والذى دعا زعيمه أيضًا فى عام 2012 إلى تطهير غزة، علاوةً على انضمامه لحزبين سياسيين متطرفين ليخوض الانتخابات العامة فى التاسع من أبريل. ومن المتوقع أن يظفر الحزبان بعدد من المقاعد فى الكنيست.

فى عام 1984، حتى أعضاء حزب اليمين فى الكنيست غادروا القاعة عندما بدأ كاهانا فى الحديث. وقال رئيس الوزراء فى ذلك الوقت"إسحق شامير" من حزب الليكود اليمينى، إنه يتمنى أن يرفض السماح لكهانا للانضمام لائتلافه، حتى لو كلفته الحكومة. أما فى الوقت الراهن، يفتح بنيامين نتنياهو أبواب الكنيست على مصراعيه مُرحِّبًا بـ"كهانا".

قد لا يكون هذا مفاجئًا؛ فقد شهدت فترة حكم بنيامين نتنياهو عنصرية متزايدة. وفى العام الماضى، سنّ قانون الدولة القومية، الذى شرع بالفعل فى بعض أشكال التمييز العنصري، وحوّل السكان العرب فى إسرائيل رسميًا إلى مواطنين من الدرجة الثانية. كما أنه على استعداد تام لاحتضان المتطرفين- بمن فى ذلك المستبدون اليمينيون المعادون للسامية مثل رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان - طالما أنهم يدعمون العدوان الساحق والاحتلال الدائم للضفة الغربية. أضف إلى ذلك أن نتنياهو يحتاج إلى كل صوت من المتطرفين ليبقى فى منصبه؛ فقد خاض الانتخابات بكثير من اتهامات التزوير والرشوة وخرق الثقة العامة تلوح فوق رأسه. كما أنه يواجه تحديات حقيقية جديدة من المركز لكنه يحاول بكل ما أوتى من قوة ليحافظ على سيطرته على الحكومة بما فى ذلك: تشويه صورة العرب ووصف وسائل الإعلام بأنها عدو الشعب علاوة على التعويل على مؤيدى كهانا للظفر بالأغلبية الساحقة.

إذا أردنا التغلب على هذا التحالف الخطير، فيجب علينا توفير بديل واضح. لكن الطريقة الوحيدة لكى يسود اليسار هى اختيار التضامن والنضال العربى اليهودى المشترك من أجل تحقيق السلام والمساواة والديمقراطية.

يمثل المواطنون العرب فى إسرائيل 20% من السكان. لا يمكننا تغيير مسار البلد وحدنا. لكن ليس هناك أى حسابات انتخابية تؤدى إلى فوز تحالف اليسار والوسط دون مشاركة الأحزاب العربية. إن أحزاب يسار الوسط التى تتنافس لإسقاط نتنياهو تدرك هذه الحسابات بالتأكيد. ومع ذلك يصرون بعناد على أن أى حكومة ائتلافية لا يمكنها الاعتماد على الأحزاب العربية، أو الأشخاص الذين نمثلهم.

لم يكن هذا هو الحال دائمًا. فى تسعينات القرن الماضى، أنقذ الدعم الذى قدمته الأحزاب التى تمثل المواطنين العرب الفلسطينيين فى إسرائيل حكومة رئيس الوزراء "إسحاق رابين" من الانهيار. وبينما لم ينضموا رسميًا إلى الائتلاف، أنشأ حزبان عربيان وعرب يهود كتلة خارجية مكّنت رابين من البقاء كرئيس للوزراء مقابل دور غير مسبوق فى صنع السياسة. كانت هذه واحدة من أكثر الفترات فعالية فى تاريخ الأحزاب العربية فى الكنيست. علاوة على أنهم تمكنوا من المساعدة فى تحقيق مكاسب حقيقية للمواطنين الفلسطينيين فى إسرائيل، بما فى ذلك الاعتراف بقرى فى الجليل ودمجها، ومنع الحكومة الإسرائيلية من مصادرة الأراضى الفلسطينية فى القدس، وتعزيز ميزانياتها للبلديات العربية.

كانت هذه أيضًا أهم فترة لعملية السلام؛ حيث أسهم الأطراف التى تمثل المواطنين الفلسطينيين فى إسرائيل بدور بارز فى الوقت الذى كانت الحكومة تتفاوض فيه على اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية مقابل اعتراف الفلسطينيين بوجود دولة إسرائيل، والتوقيع على اتفاقات أوسلو والخروج من غزة وأريحا.

كانت كل هذه الإنجازات السياسية والسياسة المتبعة مهمة بالنسبة لهم، لكن المشاركة العربية كان لها بالغ الأثر فى الإسهام والتزامن مع ثقافة مختلفة تمامًا عن ثقافة اليوم.

أتذكر الوقت الذى أبرمت فيه اتفاقيات أوسلو كمصدر أمل كبير مع الشعور بالسلام فى كل مكان إذ إنها جمعت اليهود والعرب وجعلتنا نشعر جميعًا للحظات معدودة بشعور الانتماء. لكننا لم نتمكن من إنهاء الاحتلال وتحقيق المساواة لصالحنا لكننا للمرة الأولى كنا قوة سياسية لا يمكن تجاهلها.

منذ ذلك الحين، أدرك نتنياهو وحلفاؤه من اليمين أن المواطنين الفلسطينيين فى إسرائيل جزء من الحل، لذا اختاروا أن يكون الفلسطينيون أساس المشكلة. فى هذه الانتخابات، كما هو الحال فى سنوات رابين، لا يستطيع ائتلاف يسار الوسط الحصول على مقاعد كافية لتشكيل حكومة بدون دعم الأحزاب العربية.

لا أحد يفهم هذا الموقف أكثر من نتنياهو. لذا، يبذل كل ما بوسعه ليظهر للجميع أن ليس هناك حكومة شرعية يمكنها الاعتماد على العرب. وبالفعل، تكمن إحدى نقاط الخلاف مع أكبر منافسيه "بينى جانتز" و"يائير لابيد" هى أن حكوماتهم تضم أحزابًا تمثل العرب.

لكن بدلًا من تحدى هذا المفهوم العنصرى والديمقراطى بشكل أساسى، عززت أحزاب يسار الوسط ذلك. لقد وعد السيد لابيد قائلًا: "لن نشكل حكومة مع الأحزاب العربية". حتى إن آفى جاباى من حزب العمل، عندما أصبح قائدًا للحزب فى عام 2017، أعلن بشكل قاطع: "لن تشارك الحكومة مع القائمة المشتركة."

على الرغم من الحمق السياسى إلا أنه يتمتع بنفس القدر من الأهمية، لكنه يفتقد الفرصة العظيمة لنمذجة المستقبل المنشود لأطفالنا. إذا اعتقدت أحزاب يسار الوسط أن المواطنين الفلسطينيين لهم مكان فى هذه الدولة فلابد أن يتقبلوا أن لنا حقًا فى سياساتها.

فى النهاية، لا يمكننا بناء المستقبل المشترك إذا تبوأنا مقاعدنا مرة أخرى فى غرفة الكنيست. ليس هناك سوى كتلة اليسار المتنوعة والمرتكزة على المبادئ تستطيع أن تستحوذ على القوة السياسية والأخلاقية لخلق بديل حقيقى فى البلاد.

 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى