01 ديسمبر 2022 11:28 م

كيف يتم تحويل العراق إلى ساحة للإرهابيين؟

الثلاثاء، 12 مارس 2019 - 11:35 ص

مجلة"ناشيونال إنتريست" الأمريكية  6/3/2019

بقلم: كريستوفر برودسكى

ترجمة: السيد عبد العليم

 

فى 25 يناير الماضى، تقدم الزعيم الشيعى ذو الشعبية الكبيرة فى العراق مقتدى الصدر بمشروع قانون لإخراج القوات الأمريكية من العراق. وتابع ذلك قيس الخزعلى زعيم جماعة عصائب الحق التى تدعمها إيران فى 28 يناير بالتهديد بأن التصويت فى البرلمان سيؤدى إلى خروج القوات الأمريكية، وأوضح أن العراقيين يمكن أن يقوموا بعمل عسكرى لإجبار القوات الأمريكية على الخروج حال فشلت المبادرة السياسية. كما تعرضت العلاقات المتوترة بين واشنطن وبغداد لعاصفة أخرى مؤخرًا عندما أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن القوات الأمريكية فى العراق مهمتها مراقبة إيران مما زاد من قلق العراقيين من أن بلدهم يمكن أن تصبح ساحة معركة بين الطرفين.

وليست دعاوى الصدر والخزعلى لخروج القوات الأمريكية بالأمر الجديد، غير أنها تفاقم العلاقات المتوترة بالفعل بين بغداد وواشنطن. وفى سبتمبر الماضي، هدد مسئولون أمريكيون بوقف المعونة عن العراق حال عينت الحكومة المقبلة مسئولين موالين لإيران فى مناصب عليا. وفى نوفمبر الماضي، طالبت إدارة ترامب بأن يوقف العراق واردات الطاقة من إيران بوصف ذلك شرطًا لإعفاء محدود من موجة العقوبات الثانية على إيران. وبعد ذلك وفى ديسمبر الماضى قام ترامب بزيارة مفاجئة للقوات العسكرية الأمريكية فى العراق، لكنه عجز عن زيارة بغداد أو الالتقاء بأعضاء البرلمان، واعتبر المسئولون العراقيون هذا التحرك بمثابة انتهاك لسيادة العراق.

وعلى الرغم من أن المسئولين الأمنيين فى بغداد يدركون المنافع التى يوفرها وجود قوات أمريكية صغيرة لصالح أمن واستقرار العراق، إلا أن السخط المستشرى بين النخبة السياسية العراقية تجاه واشنطن يمكن أن يغدو السبب الرئيسى لإخراج القوات الأمريكية من العراق. وعلى إدارة ترامب أن تعيد تقييم سياستها فى العراق والالتزام بعلاقة ثنائية قوية خشية أن يتم إخراج القوات الأمريكية وزيادة احتمالات عدم الاستقرار الإقليمى.

ثمة عدة أسباب تجعل الوجود المحدود للقوات الأمريكية فى العراق مهما. صحيح أنه تم تدمير الغالبية العظمى من خلافة تنظيم الدولة (داعش) فى سوريا والعراق، غير أنه وكما أعلن رؤساء الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية مؤخرًا فإن داعش لم يتم القضاء عليه نهائيًا، حيث لا يزال التنظيم يستطيع الاعتماد على آلاف المقاتلين فى أنحاء العراق وسوريا فضلًا عن شبكة الدعم العالمية. وقد يكون من الحكمة لصناع السياسة الأمريكيين تذكر كيف كان الحال الذى لم يبعد كثيرًا عندما كان هناك الكثيرون الذين كانوا يخافون من غزو داعش لبغداد. ويمكن أن يتضرر صلب استراتيجية ترامب للشرق الأوسط والمتمثل فى احتواء إيران حال تم إخراج القوات الأمريكية من العراق. فمن خلال كلفة منخفضة نسبيًا، يمكن أن تتعقب القوات الأمريكية حركة وكلاء إيران خلال عبورها من العراق  إلى سوريا والعكس بالعكس. كما يمكن أن توفر الولايات المتحدة دعمًا قويًا عن طريق تدريب ومساعدة أجهزة الأمن العراقية. والأهم هو أن الولايات المتحدة تساعد فى تدريب ودعم جهاز مكافحة الإرهاب فى العراق فى مهنيته ومهارته. وحال تم إجبار الولايات المتحدة على سحب العدد الصغير المتبقى من قواتها من العراق، يمكن أن تخسر إدارة ترامب قدرات مهمة فى جمع الاستخبارات والبنية الأساسية المطلوبة لملاحقة الخلايا الإرهابية بل وحتى الجماعات المسلحة المعادية المدعومة من إيران حال مثلت تلك الجماعات تهديدًا لأعضاء البعثات الدبلوماسية سواء للولايات المتحدة أو لحلفائها.

يحق لصناع السياسة فى الولايات المتحدة أن يتساءلوا بشكل مشروع عما إذا كان نشر قوات محدودة فى العراق يمكن أن يوفر حلولًا أولية سريعة للمشكلات المؤسسية العميقة فى العراق. صحيح أن الولايات المتحدة لن - وفى الواقع لم- يكون لديها أبدًا ردود أو وسائل لحل مشكلات العراق الأساسية. ومع ذلك فإن نشر قوات محدودة يقطع شوطًا طويلًا فى طريق تحقيق مصالح أمريكية - عراقية مشتركة. من ذلك أنه لم يتم التوقع أبدًا أن تقوم القوات الأمريكية فى العراق وفى سوريا بتوفير القوة المطلوبة لإعادة بناء أى من البلدين، وأن ما يمكنها عمله هو إحلال الاستقرار بالمنطقة المضطربة ومنع النتائج السيئة مثل إعادة انبعاث داعش فى العراق (أو غزو تركى فى سوريا) وخلق الحيز المطلوب للحكومات للتأثير على الأوضاع المحددة التى تسمح لجماعات مثل داعش بالانتشار. وأمام الحكومة العراقية شوط طويل حتى تتمكن من تحسين تلك الأوضاع – فشل أحدث مقترح بالميزانية فى توفير التمويل الكافى لجهود إعادة الإعمار – وإن كان التوقع الواقعى للعراق بغية التغلب على تلك التحديات يجب أن يكون عبر جدول زمنى يمتد لعقود وليس لسنوات. كما يجب على الولايات المتحدة أيضًا الانخراط بشكل بنّاء فى السياسة العراقية من خلال البحث عن حلول مشتركة للمشكلات المعقدة مثل معارضة أن يكون تدخلها مشروطًا على مدى تحييد وإبعاد بغداد لرجال السياسة المنحازين لإيران فهذا هدف غير واقعى وغير ضرورى.

وتبرر بعض بوادر التقدم استمرار الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق. ولعل أفضل مؤشر فى نجاح الولايات المتحدة الصغير وإن كان مهمًا هو الفعالية والكفاءة المتزايدة لجهاز مكافحة الإرهاب. فقد كان هذا الجهاز الذى تمت إقامته بمساعدة القوات الخاصة الأمريكية لتعقب الجماعات الإرهابية وجمع الاستخبارات هو القوة الدافعة فى صميم العمليات الرئيسية لإخراج داعش من شمال وغرب العراق. وقد سمح الحجم الصغير والمهنية والتدريب المتخصص للجهاز بالقيام بأدوار جديدة والأداء بشكل استثنائى على الرغم من الخسائر الفادحة أمام تنظيم الدولة.

ومع الأخذ بعين الاعتبار لأهمية إصلاح القطاع الأمنى فى العراق ومع استمرار التحديات التى تواجه هذا الإصلاح، يبرز جهاز مكافحة الإرهاب بوصفه إنجازًا لافتًا وعلامةً على ما يتحقق من تقدم مطرد.

فى الواقع، إن حقيقة أن العراق لا يزال قادرًا على إجراء انتخابات تنافسية بعد الحرب المدمرة ضد داعش، وأن العلاقة بين بغداد وأربيل تتحسن بشكل مطرد، منذ الاستفتاء على الاستقلال فى عام 2017، تعتبر لافتة بالأخذ بعين الاعتبار القوى التى كانت تهدد بتفتيت البلد من وقت لآخر. وعلى صعيد الأمن فإن بغداد التى كانت فى يوم ما مسرحًا لأعمال العنف خلال الحرب الأهلية لم تشهد تفجير سيارة مفخخة واحدة طيلة عام 2018.

إن انسحاب القوات الأمريكية من العراق عقب الانسحاب المزمع من سوريا يمكن أن يمثل انتكاسة كبرى لمصلحة أمريكا فى الاستقرار الإقليمى. ويمكن أن يترتب على الفشل فى طمأنة القيادة السياسية فى العراق بالاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها حليفًا والاستفادة من العلاقة الأمنية بين البلدين عواقب كارثية على العراق والمنطقة الأوسع.

 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى