27 نوفمبر 2022 06:06 م

عمليات التنصت الصينية في الولايات المتحدة.. هل هي في إسرائيل أيضًا؟

الإثنين، 21 مارس 2022 - 11:20 ص

عمليات التنصت الصينية في الولايات المتحدة.. هل هي في إسرائيل أيضًا؟

 

معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي

13/3/2022

بقلم: نير بن موشيه*

ترجمة: رهام رفعت

 تعتبر الصين إسرائيل قوة تكنولوجية رائدة، ومن ثم فإنه ليس مستحيلًا أن تعمل بكين، بجانب تعاونها المعلن مع إسرائيل، على الانخراط في نشاط التنصت ضد المؤسسات المدنية والعسكرية والحكومية على حد سواء. فما الذي يمكن الوقوف عليه بشأن جهود التنصت الصينية في المسرح الأمريكي، وكيف يمكن الحد من المخاطر في الفضاء الإسرائيلي؟

 في يوليو 2021، نشر المركز الأمريكي للدراسات الاستراتيجية والدولية تقريرًا يعرض تفصيلًا نشاط التنصت الذي تمارسه الاستخبارات الصينية في الولايات المتحدة، والموجه إلى أهداف في الحكومة والدفاع والقطاعات المدنية. وقد تضمنت جهود التنصت الاستعانة على نطاق واسع من جانب الصين بجهات وهيئات حكومية وتجارية وأكاديمية وأحزاب سياسية. ومن المرجح إلى حد بعيد أن تكون جهود التنصت الصينية جارية في إسرائيل التي تعتبر الصين قوة تكنولوجية رائدة. فالإمكانيات الإسرائيلية المتقدمة، وبصفة خاصة فيما يتعلق بتكنولوجيا النخبة والفضاء السيبراني والطب والزراعة، تنطوي على احتمالية أن تسهم في كل مظهر من مظاهر خطط بناء الصين. وبناءً على ذلك فقد أضحى من الضرورة الحتمية بمكان الوقوف على أنماط النشاط الاستخباري الصيني والحد من مستوى كشف الأهداف في إسرائيل لهذه الجهود.

 وتستعرض الخطة الخمسية الصينية الرابعة عشر للأعوام من 2021-2025 الخطط الاستراتيجية الرئيسية للصين وسعيها نحو الاستقلال الفني والاقتصادي، مع تقليص اعتمادها على دول العالم. وتوضح خطة (صُنع في الصين 2025) الأهداف الرامية إلى أن تصبح الصين قوة تكنولوجية واقتصادية كبرى، ولاسيما أنها تحدد 10 قطاعات لابد وأن تحتل خلالها ريادة العالم، ومن بينها: تكنولوجيا المعلومات، وشبكات (جي 5)، والمركبات الكهربائية، و"المواد الجديدة"، والطاقة الخضراء، والروبوتات، والمعدات الطبية والزراعية، والطيران. وتكشف التقارير الصادرة عن الولايات المتحدة ودول عدة أخرى أنه بجانب العلاقات والإجراءات المعلنة، تستعين الصين بوسائل خفية ومستترة لجمع المعلومات، وتجمع بين الشراكات المدنية والاستخبارات المتنوعة وممارسة نشاط التنصت من جانب الوكالات الاستخبارية. وتتضمن الجهود القومية الصينية للتنصت ولجمع المعلومات الاستخدام الموسع والشامل لهيئات حكومية وحزبية وتجارية وأكاديمية فضلًا عن أفراد مستقلين. وهذه الجهود منهجية وطويلة الأمد وتعمل على خدمة الأهداف الاستراتيجية للصين، بما يكفل لها التفوق التكنولوجي، ويعزز قوتها العسكرية، ويحقق لها الاستقلال والنفوذ بين الدول والنخب الأجنبية. وتتشابه سبل العمل الصينية- سواءً في بريطانيا، أو ألمانيا، أو أستراليا وغيرها، مع تحري المواءمات اللازمة للظروف المحلية في كل دولة. كما تنطوي هذه الجهود على تداعيالت بالنسبة لإسرائيل.

التنصت الصيني

 في يوليو 2021، نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تقريرًا بشأن أنماط العمل وسبل التنصت لدى الاستخبارات الصينية في الولايات المتحدة. ويشير التقرير الصادر عن مركز الأبحاث الأمريكي إلى نحو 160 واقعة تنصت حدثت خلال الفترة ما بين عامي 2000 و2021، حيث أُعلنت تفاصيلها. ويستبعد التقرير  وقائع تنصت أخرى ضد أهداف أمريكية في أراضٍ  أجنبية، و1200 واقعة مزعومة كان يُشتبه فيها بسرقة الملكية الفكرية من الولايات المتحدة. ويؤكد التقرير ارتفاعًا بالغًا في نشاط التنصت بالولايات المتحدة بدءًا من عام 2010، حيث وُثقت 76٪ من الوقائع في العقد التالي والربع فقط تقريبًا في العقد السابق. ويأتي هذا التوجه عقب تنصيب شي جين بينج الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، في عام 2013، عندما وُثقت 84 واقعة.

 وكانت أهداف ووسائل التنصت متنوعة. فقد وُجهت معظم الأنشطة إلى المؤسسات الحكومية، ومن بينها البيت الأبيض، والهيئات الحكومية (وزارات الخارجية، والتجارة، والدفاع، والأمن الداخلي، والطاقة، والعمل)، والأفرع العسكرية، والوكالات الاستخبارية (وكالة الاستخبارات المركزية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالة استخبارات الدفاع)، والوكالة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)، ولاسيما صناعات الدفاع الرائدة (لوكهيد مارتن، وبوينج، ورايثون). ومن بين أنشطة التنصت، تهدف 34٪ منها للوصول إلى التكنولوجيا العسكرية، بينما تهدف 51٪ منها لبلوغ التكنولوجيا الموجهة إلى الاستخدامات المدنية، وتهدف 15٪ منها إلى التوصل لمعلومات بشأن الوكالات الحكومية والساسة.

 ومن بين الأهداف المدنية، يشير التقرير إلى الصناعات عالية التقنية، والطاقة، وصناعة السيارات والطلاءات، والجامعات، والمعاهد البحثية، والطيران، والصحة، والاتصالات، والصحافة، وأخيرًا، الشخصيات السياسية.

 ويوضح التقرير أن الاستخبارات الصينية تبنت مختلف السبل للعمل على تحقيق أهدافها في الولايات المتحدة. وقد بُذلت محاولات بارزة لتجنيد والاستعانة بشخصيات من الحكومة والصناعة والأكاديميات من أجل جمع المعلومات والحصول عليها. ومنذ البدء، كانت بعض تلك الشخصيات المنخرطة في هذا النشاط على دراية بممارسة التنصت وبتداعياته، بينما جُند آخرون عن طريق الحيلة والخداع، وصولًا بهم إلى مرحلة "تطويعهم" تدريجيًا. واستغلت الاستخبارات الصينية إمكانيات التعاون في القطاعين التجاري والمدني من أجل توفير المضاربات وإقامة شركات تخضع لملكية أمريكية-صينية مشتركة بغرض الحصول على معلومات ذات قيمة وتحقيق نفوذ صاعد. وكانت الوسيلة الأخرى الرئيسية تتمثل في مهاجمة أهداف بالمجال السيبراني والنفاذ إلى شبكات الكمبيوتر وقواعد البيانات وخطط التنمية والمشتريات والمشروعات السرية. وكانت غالبية هؤلاء المتهمين في حوادث التنصت التي تضمنها التقرير مواطنين من الصين (74٪)، حيث كان 42٪ منهم موظفين بالدولة أو خدموا في الجيش، و32٪ منهم لم تكن لديهم أية تبعية تنظيمية للحكومة أو للجيش. وكان 26٪ من هؤلاء المتهمين بالتنصت ومعاونة الصين مواطنين أمريكيين.

هل تمارس الصين التنصت في إسرائيل؟

  تعتبر الصين إسرائيل قوة تكنولوجية رائدة. فالإمكانيات المتقدمة لدى إسرائيل في مجال تكنولوجيا النخبة، والفضاء السيبراني، والطب، والزراعة، وغير ذلك بوسعها أن تسهم تكنولوجيًا في كل خطة من خطط بناء الصين. ومن ثم فإن إسرائيل تعد مصدر جذب للتقنيات اللازمة في الصين، وذلك وفقًا لما أعربت عنه الشراكة المشتركة للابتكار والموقعة بين البلدين عام 2017. وبالتالي فإنه بجانب النشاط المُعلن والمتفق بشأنه من المرجح أن الوكالات الاستخبارية الصينية تعمل في إسرائيل من أجل بلوغ أهدافها فيما يتعلق بمحاولات التنصت، ولاسيما في دول أخرى تمثل أهمية بالنسبة لها. وكما هي الحال في الولايات المتحدة، لا يمكن استبعاد أن الوزارات الحكومية وصناعات الدفاع والشركات المدنية في إسرائيل تتعرض للهجوم خدمةً للأهداف الاستخبارية الصينية. كما أن من المرجح أن يمثل التركيز البالغ على المصلحة في أنظار الاستخبارات الصينية نظامًا مركبًا ومعقدًا من العلاقات بين إسرائيل وحليفتها، الولايات المتحدة.

   والأرجح أن المؤسسة الأمنية وقوات الدفاع الإسرائيلية تشكل هدفًا لجهود الاستخبارات الصينية، سواءً في حد ذاتها أو من حيث علاقاتها الوثيقة بنظرائها في الولايات المتحدة. وسوف تتضمن أهداف تلك الجهود نظم الأسلحة الرئيسية في إسرائيل والتي تتطور بالتعاون مع الولايات المتحدة أو التي تنتجها الولايات المتحدة، حيث إن بعض الصناعات الإسرائيلية لها فروع في الولايات المتحدة، بينما تنتج صناعات أخرى المكونات الأساسية التي تدخل في تصنيع نظم الأسلحة الأمريكية. ومن المرجح أن تكون التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية المتقدمة والمخصصة للتصدير تمثل أيضًا هدفًا للنشاط الاستخباري الصيني، بما في ذلك أراضي الدول التي حصلت على تلك التكنولوجيا.

 وكما هي الحال في سائر الدول المتقدمة، يُرجح أن تكون الأكاديميات في إسرائيل أيضًا هدفًا جاذبًا للاستخبارات الصينية، نظرًا للشراكات الجمة في القطاع مع المؤسسة الأمنية، ولاسيما مع مؤسسات في الصين، بما في ذلك الأبحاث المشتركة وتبادل الباحثين. وإنه لمن السهولة النسبية بمكان الوصول إلى شبكات المعلومات الأكاديمية، والدراسات، وكبار الباحثين، أصحاب المناصب المرموقة، وخاصةً أولئك المشاركين في أبحاث الدفاع والتنمية. ووفقًا لسبل جمع المعلومات الاستخبارية والموثقة في الولايات المتحدة، فإن إسرائيل معرضة بالكامل للهجمات السيبرانية التي تهدف إلى سرقة المعرفة. ويُعزى ذلك إلى الاستخدام الموسع للحاسبات وللمعلومات الرقمية، بجانب البنية التحتية الجيدة للاتصالات في إسرائيل، فضلًا عن السهولة النسبية التي تتسم بها القدرة على الاختراق عن بُعد، حيث لا ينطوي ذلك على الكثير من المخاطر بالنسبة للمهاجمين. غير أن التنصت القائم على مواطنين صينيين قد يكون أقل شيوعًا في إسرائيل منه في الولايات المتحدة، بما لديها من قطاع عريض من المواطنين الصينيين (الذين يتلقون تعليمهم ويُدرسون ويعملون هناك)، بالإضافة إلى الكثير من الأمريكيين الذين ينحدرون من أصل صيني، وهو ما يمثل هدفًا لمحاولات التنصت الصينية.

 وعلى مر السنين، أحجمت إسرائيل رسميًا عن اتهام الصين أو غيرها من القوى الأجنبية بالتنصت داخل أراضيها. وفي المقام الأول تنبثق المعلومات العامة بشأن جهود التنصت الصينية من مطبوعات ترجع أصولها إلى مصادر تجارية وخارجية. ففي أغسطس الماضي، كشفت الشركة السيبرانية الدولية (فاير آي) عن عشرات الهيئات الحكومية في إسرائيل من مختلف القطاعات والتي تعرضت لهجوم سيبراني نسقته مجموعة هجوم، مصدرها على الأرجح في الصين. وكان الغرض من هذه الاعتداءات  التنصت التكنولوجي والتجاري والصناعي. وذكرت الشركة في سياق ما أعلنته أن الواقعة خضعت للتحقيق بالتنسيق مع السلطات في إسرائيل على الرغم من أن مصادر إسرائيلية رسمية لم تتطرق إلى الحادثة وتداعياتها.

 ولا يبحث تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية على نحو مباشر الاستثمارات الخارجية، ولكنه قد يساعد كمنصة للوصول إلى التكنولوجيا وللتنصت من خلال الانخراط في بناء وخاصةً تشغيل مشروعات البنية التحتية المتقدمة والمتصلة ببعضها البعض. كما تهدف الهيئة الاستشارية لتقييم جوانب الأمن القومي للاستثمارات الأجنبية، والذي أُنشئ بفضل قرار أصدره مجلس الوزراء السياسي-الأمني في أكتوبر 2019، إلى مجابهة هذا التهديد الاستخباري، ولكن صلاحياتها تقتصر على المجالات الخاضعة للتنظيم، وليس من سلطتها فحص العواقب الأمنية للاستثمارات الأجنبية في القطاع الخاص.

الخاتمة والتوصيات

 إن الصين ليست عدوًا لدولة إسرائيل، وتتسم العلاقات الاقتصادية الثنائية بمزايا ذات أهمية. بيد أن الصين تسعى سعيًا واضحًا معلنًا إلى أن تصبح قوة عالمية رائدة، وإنها تبذل جهودًا واسعة النطاق من أجل الحصول على التقنيات التي تحتاجها من خلال سبل تتفاوت درجة شرعيتها. كما أن وسائل الصين للعمل في هذا الصدد وإمكانياتها الاستخبارية والتنصتية، وفقًا لما هو مُوثق بالخارج، يمثل تحديًا لإسرائيل، بوصفها هدفًا جاذبًا ومصدرًا للتكنولوجيا المتقدمة.

 وهناك بعض الدلائل العامة الحقيقية على التنصت الصيني في إسرائيل، ولكن المجتمع الاستخباري في إسرائيل غالبًا ما يرى الصورة على نطاق أرحب ومن منظور أعمق. ولابد من الأخذ بفرضية أن جهود الصين في إسرائيل والرامية إلى تعزيز أهدافها الاقتصادية والتكنولوجية تحاكي تلك التي تبذلها الصين في دول أخرى متقدمة، وأن تلك الجهود تُنفذ بأنماط العمل ذاتها مع مراعاة المواءمات المحلية. وأخذًا في الاعتبار الدروس المستفادة من سائر الدول، فإن من الممكن تقدير مدى التحدي الذي تواجهه إسرائيل، ومستوى تعرضها لعمليات التنصت والاستجابة اللازمة في هذا الشأن. ويعد التهديد الاستخباري للنظام العسكري-الصناعي، مع التأكيد على علاقاتها بالولايات المتحدة، من الأهمية الخاصة بمكان، مع حماية المطالب وضمان أعلى مستوى من الاستجابة، بجانب التعاون والتنسيق الوثيق مع الوكالات الأمنية في الولايات المتحدة. وعلاوةً على ذلك، فإن من المهم تعزيز قدرة الصمود لدى الأنظمة الحكومية والصناعية والمدنية والأكاديمية في مواجهة النشاط الاستخباري الخارجي، الأمر الذي ينطوي على مخاطر استراتيجية وعسكرية وعلى فقد رأس المال الفكري والتكنولوجيا، بجانب الخسائر التجارية والاقتصادية.

 ولعل  الخطوة الأولى الأساسية للتغلب على هذا التحدي تكمن في رفع الوعي بهذا الخطر وتداعياته. وإن من الحكمة بمكان أن تراقب إسرائيل وتتعلم من خبرة الآخرين بالعالم فيما يتعلق بالإجراءات الاستخبارية والطرق التي تتبعها الصين من أجل بلوغ أهدافها، وسبل الاستجابة اللازمة للحد من هذا الضرر. وفقط من خلال الإدارة المسئولة والحرفية للمخاطر، تستطيع إسرائيل أن تواصل تعزيزها للعلاقات المثمرة والآمنة مع الصين ودعم علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

*  نير بن موشيه هو باحث ضيف في برنامج إسرائيل-الصين بمعهد دراسات الأمن القومي، والمدير السابق لمؤسسة الأمن والدفاع بوزارة الدفاع الإسرائيلية. 

       

  

      

 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى