04 يوليو 2022 06:16 م

دار الكتب المصرية

الخميس، 21 أبريل 2022 - 12:52 م

إذا كان محمد علي هو أول حاكم مصري يضع برنامجًا متكاملاً للتنمية، عظّم من أجله كل موارد الدولة المصرية، وحقق نجاحات مذهلة، رغم ما صاحب برنامجه من قسوة ألحقت ضررًا بالغًا بالمصريين، فإن الخديوي إسماعيل هو أول حاكم يعنى بالتنمية الثقافية والحضارية، لدرجة أن ما حققته مصر من مشروعات ثقافية وحضارية كان بمثابة الركيزة الأساسية للثقافة المصرية والكثير من المؤسسات الثقافية التي شيدها ما زالت شاهدة على إنجازات الرجل في هذا المجال.


تعد دار الكتب "الكتبخانة المصرية" واحدة من أهم المشروعات الثقافية التي شيدها إسماعيل حينما أصدر في 23 مارس 1870 م أمرًا إلى علي باشا مبارك (ناظر المعارف وقتئذٍ) بجمع المخطوطات والكتب التي كان قد أوقفها الأمراء والعلماء على المساجد ومعاهد العلم ليكون ذلك نواة لمكتبة عامة.


لقد أتيح لعلي باشا مبارك أن يشاهد المكتبة الوطنية في باريس، لذا أراد أن تكون المكتبة المصرية على نمط مكتبة باريس، وقد وجد كل العون والمساندة من الخديوي إسماعيل الذي كان على وعي كامل بأهمية الثقافة باعتبارها الركيزة الأساسية للتنمية؛ لذا عني بالآثار المصرية، وقدم كل الدعم والمساندة للعالم الفرنسي "مارييت" حينما كلفه بإصلاح مخازن الآثار في بولاق.


وقد كان الخديوي إسماعيل أحد الحكام الكبار الذين قدروا أهمية الثقافة في بلد كمصر تمتلك بنية ثقافية كبيرة أهلتها لكي تكون في مقدمة الدول التي لفتت أنظار العالم بتاريخها وثقافتها.


وتعد دار الكتب المصرية "الكتبخانة الخديوية" إحدى مشروعات إسماعيل الكبرى التي قدمت خدمة جليلة للثقافة العربية والإسلامية، وكانت منذ افتتاحها بمثابة الجامعة الشعبية التي خرجت آلاف العلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة.


وعلى ما يبدو فإن قصر مصطفى فاضل منذ تسعينات القرن التاسع عشر قد ضاق بالكتب ولم يعد كافيًا، وخصوصًا بعد أن أخذت الدار على عاتقها مسئولية حفظ نسخ من كل كتاب يطبع داخل مصر (الإيداع القانوني) ابتداءً من عام 1886 م.


وفي 19 يناير 1898 تقدمت نظارة الأشغال العمومية بمذكرة إلى مجلس النظار مرفقًا بها مشروع أمر عالٍ وخريطة بالأرض المقترح نزع ملكيتها لبناء الكتبخانة؛ نظرًا لعدم الاتفاق مع أصحاب الأرض على ثمنها.


في 17 فبراير 1898 أصدر الخديوي عباس حلمي الثاني أمرًا بنزع ملكية الأرض لبناء الكتبخانة الخديوية مع تكليف نظارة الأشغال العمومية بتنفيذ عمليات البناء وفق القواعد المعمول بها في أرقى المكتبات العالمية.


وفي الأول من يناير 1899 وضع الخديوي عباس حلمي الثاني حجر الأساس لمبنى دار الكتب (الكتبخانة) في باب الخلق على أن يخصص الطابق الأرضي لدار الآثار العربية (الأنتيكخانة أو المتحف الإسلامي فيما بعد) وبقية المبنى للكتبخانة الخديوية التي تم الانتهاء من تشييدها في منتصف عام 1903 وفتحت أبوابها للجمهور في فبراير عام 1904 م.


لقد ظلت الدار تؤدي وظيفتها الثقافية والحضارية كجامعة شعبية منذ افتتاحها، حيث أصبحت بمثابة بيت لكل الباحثين عن المعرفة لدرجة أننا لا نجد عالمًا في أي فرع من فروع المعرفة سواء أكان مصريًا أو عربيًا أو مستشرقًا إلا وكانت الدار مصدرًا أساسيًا لتكوينه.


لقد أشاعت دار الكتب المصرية منذ افتتاحها مناخًا ثقافيًا وحضاريًا ضخمًا جعل من الثقافة مشروعًا كبيرًا كانت دار الكتب أهم مرتكزاته. وحينما قامت ثورة 23 يوليو 1952 كانت الثقافة في مقدمة عنايتها، وكان الكتاب والمسرح والسينما وكل مفردات الثقافة في مقدمة المرتكزات التي اعتمدت عليها الثورة، وكانت دار الكتب إحدى ركائز هذه المنظومة؛ لذا فقد اتجه التفكير نحو العناية بدار الكتب بعد أن ضاقت بمقتنياتها؛ لذا بدئ في التفكير في إنشاء مبنى جديد على كورنيش النيل افتتح لجمهور المترددين عام 1971، ومنذ هذا التاريخ والدار تؤدي وظيفتها في موقعها الجديد بعد أن نقلت إليها كل مقتنيات دار الكتب بباب الخلق، وبقيت دار الكتب في باب الخلق مكانًا مهملاً لأكثر من خمسة وعشرين عامًا.


ومنذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي جاءت فكرة إعادة ترميم هذا المبنى، بعد أن تعرض لعوامل بيئية أوشكت أن تهدده بالانهيار، و ذلك بهدف إعادة وضع دار الكتب على الخارطة الثقافية باعتبارها ذاكرة الوطن، وقد انتهي الخبراء إلى وضع مشروع مكتمل الملامح يحدد مهام دار الكتب على كورنيش النيل باعتبارها المكتبة الوطنية التي تقدم خدماتها للباحثين في كل مجالات الأوعية المعرفية المطبوعة من كتب ودوريات، في حين تتخصص دار الكتب القديمة بباب الخلق في التراث المخطوط والبرديات والمسكوكات وأوائل المطبوعات.


إضافة إلى إقامة متحف للمقتنيات التراثية لكى يكون شاهدًا على ما قدمته الثقافة المصرية من خدمات جليلة للثقافة العربية والإسلامية؛ حيث يصبح المعرض مزارًا للشعب المصري تعرض فيه أندر المصاحف والمخطوطات والمسكوكات وكافة المقتنيات النفيسة، حيث يشعر الزائر بأهمية ما قدمته مصر للثقافة العربية والإسلامية، بل وللإنسانية في شتى مجالات المعرفة.


من الصعب أن تكون دار الكتب في باب الخلق هي المكتبة الوطنية بالمعنى الفني، فقد كانت الدار تضم عشرات الألوف من الكتب، وفي أكثر حالات ازدهارها كانت تضم مئات الألوف.


الآن نحن نتحدث عن أكثر من ثلاثة ملايين من الأوعية المعرفية بين كتب ودوريات ومخطوطات وبرديات، وهو ما لا تستطيع الدار القديمة أن تستوعب منه إلا القليل.


ومن الطبيعي أن تتخصص الدار القديمة في اقتناء المواد ذات الصفة التاريخية والمتحفية، وهو ما أخذت به أعرق المكتبات الوطنية في العالم، مثل: المكتبة الفرنسية القديمة التي حرصت فرنسا على أن تظل مكتبة متخصصة في المخطوطات والمسكوكات واللوحات والخرائط والمكتبة الموسيقية، في حين خصص مبنى المكتبة الفرنسية الجديد في جنوب باريس على نهر السين لسائر المقتنيات الأخرى.


 ويمكن تحديد وظيفة دار الكتب بباب الخلق على النحو التالي:


1- حماية المخطوطات: عربية وتركية وفارسية، والعمل على إتاحتها للباحثين عبر الوسائل الإلكترونية وإعداد فهارس متكاملة لها؛ تسهلًا لمهمة الباحثين والمترددين، مع الاستمرار في نشر وتحقيق التراث باعتباره واحدًا من أهم وظائف دار الكتب، إضافة إلى العمل على الانتهاء من ترميم المخطوطات من خلال مركز ترميم أعد خصيصًا لهذا الغرض، وإعداد موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت يكون واسطة الاتصال بين الدار وكافة المستفيدين والمهتمين في كل دول العالم.


2- الحفاظ على أوائل المطبوعات: وهي مجموعات الكتب ذات القيمة العلمية العالمية التي آلت إلى الدار منذ نشأتها سواء على سبيل الإهداء أو الشراء، وهي ذات قيمة علمية وتراثية عالية تقترب كثيرًا في أهميتها من المخطوطات، بعضها من إصدارات مطبعة بولاق، وبعضها الآخر يرجع إلى القرن الثامن عشر، وخصوصًا الكتب الأجنبية: فرنسية وإنجليزية وتركية، وهي الكتب التي شكلت ذاكرة النخبة الثقافية المصرية مع نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.


3- الحفاظ على مجموعة البرديات والخرائط: وتعد من أندر وأهم ما تمتلكه الدار، وقد قامت الدار بتصويرها رقميًا وعمل قواعد بيانات لها، وسوف تكون متاحة للباحثين والمستفيدين من خلال أجهزة الحاسب الآلي، وهي في مجملها ثروة لا تقدر ومصدر للدراسات الأدبية والتاريخية.


4- إعداد بانوراما متحفية من خلال الفراغات الناجمة عن إعادة صياغة المبنى من الداخل، بعد أن أزيلت حوائط كانت قد استحدثت على المبنى ولم تكن جزءًا من تصميمه الأساسي؛ حيث تعرض أندر المخطوطات والبرديات واللوحات والخرائط والأجهزة الموسيقية والمتحفية ذات القيمة التاريخية؛ لكي تكون مزارًا للمواطنين. والمشروع المتحفي في مجمله يعد عملاً فنيًا رائعًا وسوف يكون بمثابة دليل قاطع على ما قدمته مصر للثقافة العربية الإسلامية.


تعد دار الكتب من العلامات المعمارية المميزة ومن أروع المباني التاريخية التي اعتراها الإهمال على مر السنين، وذلك إلى أن جاء مشروع التطوير الذي ارتقى بدار الكتب إلى مستوى ينافس الدور العالمية، وفي اقتران عبقري للتقنيات الحديثة بين جنبات المبنى التاريخي الذي يضم تراثًا حضاريًا وكنوز مخطوطات لا تقدر بثمن.


يتكون المبنى من دور رئيس ودورين ميزانين بخلاف السطح والبدروم، ويحتوي الدور الرئيس على قاعات اطلاع ومتحف للتراث المخطوط بارتفاع ثلاثة أدوار، كما يحتوي دور الميزان الأول على غرف الميكروفيلم وقاعة الإنترنت، أما الميزان الثاني فيحتوي على قاعة بحث ومعامل الترميم والميكروفيلم وقاعة البرديات، وتحقق أدوار المبنى معًا معادلة صعبة لوجهي أصالة التاريخ وعمارة الحداثة.


يشار إلى أن دار الكتب والوثائق القومية قد لحقت بها أضرار هي ومتحف الفن الإسلامي إثر انفجار سيارة ملغومة استهدفت في الرابع والعشرين من يناير 2014 مبنى مديرية أمن القاهرة بحي باب الخلق بوسط العاصمة.


وبرصد الأضرار التي لحقت بدار الكتب وجد أن جميع خزائن العرض قد تهشمت، كما لحقت أضرار بعدد من المخطوطات والكتب بسبب المياه التي ترسبت جراء تحطم مرفق تزويد المياه وبسبب غبار الزجاج المتطاير، وتعكف وزارة الدولة للآثار على إزالة آثار هذا العدوان الإرهابي الغاشم وترميم المخطوطات والكتب التي تأثرت لتعود دار الكتب والوثائق القومية إلى رونقها من جديد.


 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى