29 مايو 2024 02:05 ص

متحف محمد ناجى

السبت، 01 أبريل 2023 - 12:08 ص

يجاور أهرامات الجيزة، أحد أبرز عطايا التاريخ القديم، ويستمد منها مسحة أصالة وعبق تاريخي، ممزوجة بإطلالة حديثة قوامها الفن التشكيلي المعاصر. إنه متحف الفنان التشكيلي المصري محمد ناجي، الذي يعكس بمقتنياته إسهامات هذا المبدع في إثراء الفن المصري وكذا في إثراء حركة التشكيل العالمية .

وتعود النواة الأولى للمتحف إلى عام 1952م، حينما شيَّد الفنان محمد ناجي مرسمه بمنطقة «حدائق الأهرام»، والتي أقيم عليها بعد سنوات عدة المتحف ذاته .

 وكان الغرض من اختياره هذا المكان استكمال لوحته الأهم «مدرسة الإسكندرية» التي بدأ رسمها عام 1939 عندما كان مديراً لمتحف الفن الحديث .

وظل الفنان في مرسمه هذا لمدة أربعة أعوام حتى وافاه الأجل في العام 1956م، ومن ثم اشترت وزارة الثقافة بعدها بستة أعوام، وتحديداً في العام 1962، المرسم تمهيداً لتحويله إلى متحف، وأهدت شقيقته الفنانة عفت ناجي الدولة أربعين لوحة زيتية من أعمال الفنان الراحل، ومجموعة كبيرة من رسوماته التحضيرية، إضافة إلى متعلقاته الشخصية.. ومن ثم افتتح المتحف في 13 يوليو 1968 بحضور وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة، وأعيد تطويره وتجديده في عام 1991، ووصلت مقتنياته إلى 1200 لوحة والعديد من المتعلقات الشخصية للفنان ناجي .

مكونات المتحف :

يضم المتحف 1200 لوحة موزعة على صالتين أساسيتين، الأولى كانت بمثابة المرسم الخاص بالفنان، والثانية استحدثت من قبل وزارة الثقافة لعرض اللوحات، فضلاً عن وجود مكتبة ومخزن يضم بعض الأعمال والمقتنيات .

كذلك يضم المتحف عدداً من مقتنيات محمد ناجي الخاصة مثل: كرسي هزاز كان دائماً ما يجلس عليه، وصندوق خشبي يحتوي بدلاته الرسمية الأنيقة، كذلك «شيفونيرة» عتيقة تعود إلى بدايات القرن العشرين، وهذا لأن محمد ناجي والذي تولى عدداً من المهام والمناصب في الدولة كان شديد التأنق ومعروف عنه وجاهته وهيئته المميزة، التي تتوازى مع ذوقه الفني الرفيع في ما يرسم .

تمتاز القاعة التي شيدتها وزارة الثقافة بمعمار يتلاءم مع ملامح المرسم الخاص بناجي، حيث تحظى بسقف ذي لوحة بيضاء ضخمة أسماها الفنان «جني البلح» وتصور عادات المصريين في قطف ثمار البلح وجمعها، كما تضم القاعة أيضاً لوحة «موسى» التي تكشف تأثر ناجي بقصص القرآن الكريم، حيث جسد بلوحته قصة سيدنا موسى عليه السلام والتقاطه من النهر.. وهي لوحة رسمها الفنان ناجي في 1939م. وفي السياق أيضاً فإن للنيل حضوراً بارزاً في أعمال ناجي، إذ جسد سعادة أبناء الجنوب المصري بالفيضان الذي يعم معه الخير والطمي، كذلك غناء النساء والأطفال بموسم المياه الجديد .

نظرة على أعمال ناجى :

تنقسم أعمال ناجي بالمتحف إلى ثلاث مراحل، الأولى وهي رحلته إلى إيطاليا وتأثره بالمدرسة الأكاديمية، حيث إنه في بداية الرحلة اختار المدرسة الإيطالية لتكون طريقه في عالم الفن، في تلك المرحلة قدم ناجي عدداً من الأعمال التي توضح تأثره بالمدرسة التأثيرية، واتخذ منها منفذاً فنياً له، ووظفها مع أعماله بلمسة مصرية خالصة تعكس حياة الفلاحين والعاملين والبسطاء في الريف المصري، حتى تمحورت أعمال ناجي حول حياة المصريين الريفيين، وصور ما بها من وجع وفرح وشجن، ولم يكن تعامل ناجي مع الريف من باب رؤية المستشرق، وإنما كان انخراطاً بصورة أو بأخرى في تلك الحياة بملامحها المتنوعة. وسرعان ما تمرد على المدرسة التأثيرية لاسيما الرسام كلود مونيه .

كما تأثر ناجي بالجداريات القديمة التي تتشابه مع الفن الأول للإنسان على وجه البسيطة، حيث استلهم منها مسحة فريدة لأعماله، فظهرت لوحات ذات طابع جداري طبيعي المنظر، ليركز ناجي على علاقة المكان بالشخوص، لهذا تظهر اللوحات مصرية خالصة بنظرة تأصيلية تاريخية. وحفاظاً على هذا النمط الجداري قدم ناجي عديداً من اللوحات تجسد تصوره الخاص للفن المصري الفرعوني .

أما المرحلة الثانية فتمثلت في رحلته إلى الحبشة، حيث سافر إلى إثيوبيا في بعثة فنية عام 1931م، وجسدت تلك الرحلة تحولاً واضحاً في إحساس ناجي بالألوان والطبيعة، من خلال المناظر الخلابة التي كفلتها الطبيعة الإثيوبية، كما كان له فرصة تصوير عاهل الحبشة آنذاك هيلا سيلاسي، ورجال البلاط ورجال الدين والعديد من الشخصيات الإثيوبية البارزة آنذاك .

وشهدت المرحلة الثالثة تجوال محمد ناجي بالمحافظات المصرية، ويبدو أن أغلب فناني تلك الفترة تأثروا بالداخل المصري على الرغم من دراساتهم الغربية، فلم يكن الغرب هو الأساس في إبداعاتهم، فجاءت الأعمال ذات خصوصية وشاعرية مصرية، نلحظ هذا في لوحة «الرحايا» والتي جسد بها ناجي النساء وهن يطحن الحبوب بجلابيبهن السوداء وملامحهن وألوان بشرتهن التي تعكس ملامح الأرض المصرية، كما عكس مثابرتهن من خلال سيدة تجلس القرفصاء وتقوم بتحريك الرحايا لطحن الحبوب وترتسم على وجهها ابتسامة خفيفة والكحل يحيط بعينها. كذلك لوحة «الطب في الريف» التي صور فيها العادات الطبية العلاجية بالريف وتلاوة القرآن الكريم على الأطفال .

مصر بعيونه

وعن العادات المصرية أيضاً، قدم ناجي لوحات عدة خلال زيارته إلى الأقصر - جنوب مصر، وصور بها عادات النساء بالأفراح وملامح البِشر على وجوههن المصرية الأصيلة، كذلك جسد حزنهن في حالات الوفاة والجنازات، كما رسم عادات المصريين أثناء صيد الحيوانات، ورسم أيضاً الشيخ «عبدالرسول» صاحب الفندق الذي كان يقيم به في الأقصر .

كما قدم ناجي مجموعة من اللوحات تعكس تأثره بمناخ الاستقلال والنهضة الذي صاحب الحركة الوطنية المصرية في العشرينيات من القرن المنصرم، والتي تركت أثراً كبيراً به، من خلال الزعيم الوطني مصطفى كامل.. وكذلك حادثة دنشواي التي هزت مشاعر المصريين ككل والفنانين بصورة خاصة، كما أهداه الزعيم الوطني مصطفى كامل صورة فوتوغرافية بقيت ضمن ممتلكاته حتى اليوم، واستوحى منها ناجي ملامح الأم الروحية لمصطفى كامل وراعية دعوته الوطنية «جوليت آدم»، ويرسمها في لوحة كبيرة تزين متحفه كتحفة فنية حتى اليوم .

عالم خاص

نطلع في المتحف أيضاً، على لمحة وافية تحكي عن حياة ناجي الشخصية، حيث بورتريهات عدة له ولعائلته، فصور عائلته مع الخدم في لوحة زيتية تتوسط المتحف، كما قدم بورتريه لشقيقته الفنانة التشكيلية «عفت ناجي» وهي تحمل قطتها، ولم يغفل أيضاً تقديم ملامح عملية بفرشاته المميزة، فرسم أساتذته ومن أضافوا إليه الكثير في حياته. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أظهر حبه وتقديره لبعض الشخصيات الوطنية، من خلال بورتريهات لهم، مثل: هدى شعراوي وطه حسين وأحمد شوقي وغيرهم. ولم تقف منجزات ناجي عند حد متحفه فحسب، فهناك جدارية كبيرة تستقر في مستشفى المواساة بالإسكندرية وتتلاءم مع طابع المستشفى، حيث يقدم بها قيمة ومضمون الطب عند العرب والقدماء المصريين، كذلك لوحته عن نهضة مصر في مبنى البرلمان المصري، والموضوعة هناك منذ عام 1922 وحتى اللحظة .

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى