19 أبريل 2024 01:53 ص

قبرص وأسبانيا ...زيارة رئاسية لإثراء البُعد المتوسطي

الثلاثاء، 28 أبريل 2015 12:00 ص

إعداد :ولاء مؤنس عبد الفتاح

رؤية تحليلية:

إن تحركات السياسة الخارجية المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي تسير في اتجاهات مختلفة، وهي ليست سياسات معتادة أو علاقات عادية، ولكنها تحولات استراتيجية محسوبة، في فترة زمنية محددة، وتجاه أطراف محددة، وفي سياق تفاعلات معينة، تُعلي من محورية المصالح الوطنية على ما عداها من أهداف، بغرض معرفة مصادر تهديدها، وخلق فرص تعظيمها ومنع المساس بها، عبر سياسات وخطط وبدائل قابلة للتنفيذ.

وفي هذا السياق، تنبع أهمية زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى قبرص وأسبانيا يومي 29 و 30 أبريل 2015، والتي تُعد فرصة مهمة لإثراء البُعد المتوسطي في السياسة الخارجية المصرية، وخاصة بعد تعثر تجربة آلية الاتحاد من أجل المتوسط منذ سنوات، كما أنها تأتي في إطار المساعي المصرية الحثيثة والتي يقودها الرئيس السيسي نحو العمل على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وزيادة التبادل التجاري وتشجيع السياحة الوافدة.

أولاً: زيارة قبرص .. وتدعيم الشراكة الاستراتيجية:

كانت مصر من أوائل الدول التي سارعت بالاعتراف بالجمهورية القبرصية وتبادلت معها العلاقات الدبلوماسية منذ عام 1960 ، وترتبط مصر وقبرص بعلاقات متميزة وتاريخية ساعد في تعزيزها القرب الجغرافي والتناغم الحضاري والثقافي بين الشعبين، كما أن هناك تنسيقاً مستمراً بين البلدين على المستوى السياسي. فقد كان الرئيس القبرصي نيكوس أنستاسيادس حاضراً في الاحتفال بتنصيب الرئيس السيسي في يونيو 2014. وفي 23 سبتمبر 2014 التقى الرئيسان على هامش أعمال الدورة التاسعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم كان اللقاء بين الرئيسين في القاهرة في 8 نوفمبر 2014 في إطار القمة الثلاثية بمشاركة رئيس وزراء اليونان، والذي تمخض عنه اتفاقا للشراكة الاستراتيجية بين الدول الثلاث، كما التقى الرئيسان على هامش أعمال المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ في مارس الماضي.

وتشهد زيارة قبرص قمة ثلاثية يشارك فيها بالإضافة إلى الرئيسين السيسي و أنستاسيادس، رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس، والتي تأتي استكمالاً للشراكة التي رسمتها القمة الثلاثية ذاتها والتي عقدت بالقاهرة في 8 نوفمبر 2014 والتي أعطت قوة دفع جديدة للتعاون القائم بين الدول الثلاث، وبرزت مؤشراتها في إعلان القاهرة الذي ركز على محاور أربعة، تتمثل في الأمن والتنمية والاستقرار والمكانة، وهو ما يمهد لنمط من التعاون الإقليمي الناشىء.

ثانياً: أسبانيا.. زيارة لتدعيم العلاقات مع الشريك الأوروبي الخامس لمصر:

وفقاً للبيان الصادر عن رئاسة الجمهورية في 19 أبريل 2015 فإن الهدف من زيارة أسبانيا تتمحور في الآتي:

- تعزيز العلاقات الثنائية المتميزة بين البلدين وتنشيطها في المجالات كافة، لاسيما في ضوء المشاركة الاسبانية الفاعلة في المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ.

- العمل على جذب المزيد من الاستثمارات الاسبانيا إلى مصر والتي تجاوزت 700 مليون يورو في مجالات الغاز والأسمنت والسكك الحديدية، حيث تعتبر أسبانيا الشريك الاستراتيجي الخامس لمصر تجارياً واستثمارياً.

ثالثاً: زيارة قبرص وأسبانيا .. انعكاس لثوابت ومحددات السياسة الخارجية :

ارتباطاً بأهمية الزيارة والتي تعد أنطلاقة جديدة للسياسة الخارجية المصرية، فإن هذه الزيارة تعكس حقيقة المحددات التي تقوم عليها السياسة الخارجية المصرية والتي تنطلق من ثوابت معينة، وهو ما يمكن تناوله فيما يلي:

1- ثوابت السياسة الخارجية التي يتحرك على أساسها صانع القرار :

مع وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في مصر ولا يغب عن باله كصانع للقرار في التحركات على الساحة الخارجية ثوابت بعينها، يمكن إجمالها على النحو التالي:

- أهمية موقع مصر الجغرافي وثقلها السكاني وميراثها التاريخي، ووزنها الحضاري (الشخصية العبقرية لمصر عبر تاريخها الطويل).
- بناءاً على ما سبق فإن مصر دائماً من أولى الدول التي تتأثر بتطورات الأحداث في البيئتين الإقليمية والدولية المحيطتين بها (وجدير بالذكر، فإن الوضع الإقليمي الحالي يعج بمشكلات كثيرة لا يتسع المقام لتناولها، وهي تؤثر بشكل أو بآخر على الأمن القومي المصري).

- أن مصر كذلك وبحكم الوزن والثقل السياسي والديموغرافي من القوى الأساسية التي تمارس تأثيراً واسعاً في حركة الأحداث الإقليمية بل والعالمية. لذا كان هناك وعي دائم بأهمية وخطورة السياسة الخارجية المصرية في التأثير في عملية التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الداخل، وأيضاً على المصالح الاستراتيجية العليا في الخارج.

2- مبادىء وتوجهات السياسة الخارجية للرئيس السيسي:

من القراءة المتأنية في تصريحات وكلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الفترة الماضية والتي تتعلق بسياسة مصر الخارجية نجد أنها تشتمل على مبادىء رئيسة يمكن إجمالها على النحو التالي: 

- استقلال القرار الوطني وعدم تقديم أية تنازلات للخارج بشأن سياسة مصر الداخلية، فقد أضحت هذه السياسة خطاً أحمر لا ينبغي التدخل فيه لأي سبب، حتى وإن كان هذا التدخل مشروطاً بتقديم مساعدات.

- تحقيق التوازن المطلوب في السياسة الخارجية عن طريق بناء علاقات متعددة مع القوى الدولية الكبرى كروسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية والعديد من الدول الأوروبية، أي أن علاقات مصر الاستراتيجية بدولة معينة لا تعني إهمالا لباقي القوى السياسية في العالم.

- الحفاظ على الأمن القومي المصري والعربي، فلا شك أن الأزمات الراهنة في الإقليم وتردي الأضاع في العديد من الدول العربية خلقت بيئة خصبة لنمو تنظيمات إرهابية مثل داعش وأنصار بيت المقدس وجماعة النصرة، والتي تمارس موجات من العنف أصبحت تشكل تهديداً خطيراً ليس فقط على الأمن القومي المصري، وإنما على الأمن العربي عموماً وهو ما يستوجب التعامل معه بحسم.

-  الاهتمام بالملفات الهامة التي تمس الأمن المائي المصري، لذا كان التحرك المصري في هذا الإطار والذي أدى إلى توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة في 23 مارس 2015.

ولتحقيق التوجهات السابقة، أمكن رصد ثماني عشرة زيارة خارجية قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي كانت آخرها زيارته لدولتي السودان وأثيوبيا خلال الفترة من 23 – 25 مارس 2015، والتي شهدت التوقيع على إعلان المبادىء الخاص بسد النهضة، وبيان هذه الزيارات كالتالي:

- جاءت الدول العربية في المرتبة الأولى للزيارات الرئاسية بحصيلة ست دول وتسع زيارات، وقد شملت هذه الدول: السعودية (أربع مرات آخرها في الأول من مارس 2015)، الجزائر، السودان، الأردن، الكويت، والإمارات.

- زيارة جميع الدول الدائمة بمجلس الأمن عدا بريطانيا، فقد زار الصين، الولايات المتحدة (لحضور فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة)، روسيا وفرنسا.

- قام الرئيس السيسي بزيارة دولتين أفريقيتين غير عربيتين وهما غينيا الاستوائية لحضور مؤتمر القمة الإفريقية الثالثة والعشرين للاتحاد الأفريقي، واثيوبيا.

- قام الرئيس السيسي أيضا بزيارة لإيطاليا، ومنها للفاتيكان، التقى خلالها البابا فرانسيس، وهي الزيارة الأولى لرئيس مصري منذ ثماني سنوات، كما زار سويسرا لحضور فعاليات منتدى دافوس.

ومن واقع هذه الزيارات يلاحظ أنها تخضع للتوجهات المصرية الجديدة بكل دقة، فمثلا جاءت زيارتي إيطاليا والجزائر لبحث خطورة الأوضاع في ليبيا والتي تؤثر سلبا على الأمن القومي المصري، كما تعد زيارة الأمم المتحدة هامة لتقديم رسالة واضحة عن توجهات مصر فيما بعد الثورة، وجاءت زيارة أثيوبيا في إطار الحرص المصري على أمنها المائي، وفي روسيا كان توقيع اتفاقا للشراكة الاستراتيجية بين البلدين. وقد نجحت السياسة الخارجية المصرية للرئيس السيسي في جذب مزيد من الاستثمارات، كما نجحت في توفير احتياجات مصر من المواد البترولية، والأهم من ذلك أنها نجحت في تعبئة الشعب المصري في الداخل والخارج لدعم مختلف المواقف المصرية، بعد أن تمكنت من كسب دعم وتأييد مختلف دول العالم لثورة الشعب المصري في الثلاثين من يونيو.

 

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى